اخر الاخبارأخبار العالمالشرق الاوسطسياسةعاجلمنوعات

مسقط أم إسطنبول؟ “حرب المكاتب” تشتعل لاستضافة مفاوضات واشنطن وطهران.. أين ستُطبخ الصفقة النووية الجديدة؟

مسقط أم إسطنبول؟ “حرب المكاتب” تشتعل لاستضافة مفاوضات واشنطن وطهران.. أين ستُطبخ الصفقة النووية الجديدة؟


المقدمة: البحث عن “أرض محايدة” في عالم منقسم

في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التوترات في الشرق الأوسط، تسير في الخفاء رحلة البحث عن طاولة مستديرة تجمع “الخصمين اللدودين”؛ واشنطن وطهران. ومع تأكيد الطرفين على الرغبة في العودة لمسار الدبلوماسية لحل الملف النووي العالق، برز تساؤل جوهري يسيطر على الدوائر السياسية: أين ستُعقد هذه المفاوضات؟ هل ستعود إلى “الغرف الهادئة” في مسقط، حيث وُلد الاتفاق الأول بعيداً عن الأضواء؟ أم ستنتقل إلى إسطنبول الصاخبة، حيث يطمح أردوغان لترسيخ بلاده كـ “مركز ثقل” عالمي؟ إن اختيار المكان ليس مجرد تفصيل لوجستي، بل هو جزء أصيل من استراتيجية التفاوض وفرص نجاحها.

أولاً: مسقط.. “واحة الهدوء” والوسيط التاريخي الموثوق

لطالما كانت سلطنة عمان هي “الصندوق الأسود” للدبلوماسية في الشرق الأوسط. فالعلاقة الوثيقة التي تجمع مسقط بكل من واشنطن وطهران تمنحها ميزة تنافسية لا تملكها أي عاصمة أخرى.

نقاط القوة العمانية:

  1. تاريخ الحوار السري: في عام 2013، كانت مسقط هي المكان الذي احتضن اللقاءات السرية بين مسؤولي إدارة أوباما وإيران، وهي اللقاءات التي مهدت لاتفاق 2015. هذا “الإرث” يبني ثقة متبادلة تجعل المفاوض الإيراني يشعر بالراحة والأمان السياسي في عمان.

  2. الدبلوماسية الهادئة (Quiet Diplomacy): تتميز مسقط بقدرتها على إبقاء المفاوضات بعيدة عن “بروبجاندا” الإعلام، وهو مطلب أساسي للطرفين في المراحل الأولى لتجنب ضغوط المعارضين الداخليين في كلا البلدين.

  3. الحياد الإيجابي: لا تملك عمان أجندة سياسية توسعية أو تنافسية مع إيران، كما أنها حليف استراتيجي موثوق للولايات المتحدة، مما يجعلها “نقطة ارتكاز” مثالية لا تثير حساسية القوى الإقليمية الأخرى.

ثانياً: إسطنبول.. طموح “الوسيط القوي” والموقع الاستراتيجي

على الجانب الآخر، تدخل تركيا الحلبة كقوة إقليمية كبرى تمتلك أدوات ضغط ومصالح متشعبة مع الطرفين. إسطنبول ليست مجرد مدينة، بل هي جسر بين الشرق والغرب، وهو ما يحاول الرئيس أردوغان استثماره.

المميزات التركية في التفاوض:

  1. ثقل الناتو والارتباط بإيران: تركيا عضو في حلف الناتو، لكنها في الوقت ذاته شريك تجاري واقتصادي ضخم لإيران. هذا المزيج يمنح إسطنبول قدرة على ممارسة ضغوط “ناعمة” وإغراءات اقتصادية لتسهيل التنازلات.

  2. الرغبة في دور “صانع السلام”: تسعى أنقرة لتعزيز مكانتها الدولية كقوة وسيطة (كما فعلت في اتفاق الحبوب الأوكراني). استضافة مفاوضات إيران وأمريكا سيعطي لتركيا شرعية دولية كبرى ويقوي موقفها في ملفات أخرى مع واشنطن.

  3. البنية التحتية واللوجستية: تمتلك إسطنبول مرافق عالمية لاستضافة مؤتمرات ضخمة، وهي تفضل المفاوضات “المعلنة” التي تعطي صدى إعلامياً واسعاً، وهو ما قد تفضله واشنطن في مراحل معينة لإظهار “شفافية” المسار أمام حلفائها.

المفاضلة الاستراتيجية: ماذا يريد الطرفان؟

ماذا تريد طهران؟

تميل إيران تقليدياً نحو مسقط. فالإيرانيون يثقون في “الكتمان العماني” ويشعرون أن عمان وسيط “ناقل للرسائل” بأمانة دون التدخل بفرض شروط. كما أن طهران تخشى أحياناً من طموحات تركيا الإقليمية التي قد تتقاطع مع مصالحها في سوريا أو القوقاز، مما قد يجعل إسطنبول مكاناً “مشحوناً” سياسياً.

ماذا تريد واشنطن؟

إدارة واشنطن تجد نفسها أمام خيارين: إذا كانت تبحث عن “تفاهمات تقنية سريعة” ومحدودة، فإن مسقط هي الخيار الأمثل. أما إذا كانت تريد “اتفاقاً دولياً موسعاً” يشمل ضمانات إقليمية، فقد ترى في إسطنبول منصة أفضل لقربها من الحلفاء الأوروبيين وسهولة التنسيق مع الناتو.

طرف ثالث في الصورة: هل تسرق الدوحة أو جنيف الأضواء؟

رغم انحصار المنافسة حالياً بين مسقط وإسطنبول، لا يمكن استبعاد الدوحة التي لعبت أدواراً حاسمة في ملف تبادل السجناء، أو حتى جنيف وفيينا كخيارات تقليدية “أوروبية” إذا ما أرادت الأطراف الدولية (الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي) العودة للطاولة الخماسية.

تأثير مكان التفاوض على “جوهر الصفقة”

  • في مسقط: التركيز سيكون غالباً على “رفع العقوبات مقابل القيود النووية” (اتفاق تقني صرف).

  • في إسطنبول: قد تتوسع الأجندة لتشمل “الأمن الإقليمي وممرات الطاقة”، نظراً لموقع تركيا وتأثيرها المباشر في قضايا الجوار الإيراني.

تحديات أمام “العاصمة المضيفة”

أي مدينة ستستضيف هذه المفاوضات ستواجه تحديات أمنية وسياسية هائلة:

  1. الاختراقات السيبرانية: ستكون العاصمة المضيفة هدفاً لهجمات إلكترونية من أطراف تسعى لتخريب المفاوضات.

  2. الضغوط الإسرائيلية: ستتعرض الدولة المضيفة لضغوط هائلة من تل أبيب التي ترفض أي اتفاق لا يضمن التفكيك الكامل للبرنامج النووي.

  3. التوازن الدبلوماسي: الحفاظ على مسافة واحدة من الطرفين دون الانحياز لطلبات واشنطن أو تعنت طهران.

الخلاصة: من يفوز بشرف “الاستضافة”؟

المؤشرات الحالية ترجح كفة مسقط للمفاوضات “التمهيدية والسرية” نظراً لخصوصية العلاقة العمانية-الإيرانية التاريخية. ولكن، بمجرد انتقال المفاوضات إلى المرحلة “العلنية والرسمية”، قد تبرز إسطنبول كمرشح قوي أو يتم العودة إلى فيينا لاستعادة المظلة الدولية للاتفاق.

في نهاية المطاف، المكان هو “الوعاء” الذي سيحتوي الطبخة السياسية، وسواء كانت النكهة “عمانية هادئة” أو “تركية طموحة”، فإن العالم يترقب خروج “الدخان الأبيض” الذي يجنب المنطقة صراعاً نووياً وشيكاً.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى