كندا تسعى لتعزيز اقتصادها الداخلي لمواجهة الرسوم الأمريكية: طموح كبير وتحديات هيكلية

تسعى كندا جاهدة لتقوية اقتصادها الداخلي لمواجهة التهديدات الاقتصادية التي فرضتها التعريفات الجمركية الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد نجح رئيس الوزراء الكندي آنذاك، مارك كارني، في الوفاء بوعده الانتخابي بإلغاء الحواجز التجارية الداخلية على المستوى الفيدرالي بحلول الأول من يوليو. هذه الخطوة، التي وصفها كارني بأنها ستجعل كندا “أقوى اقتصاد في مجموعة السبع”، تأتي ضمن استراتيجية طموحة لخلق “اقتصاد كندي واحد” يعزز التجارة البينية.
إزالة الحواجز الفيدرالية وتحديات المقاطعات
بصفته مصرفيًا مركزيًا سابقًا وزعيمًا للحزب الليبرالي، دفع كارني مشروع قانون عبر البرلمان لإلغاء الحواجز التجارية والعوائق الخاضعة للسيطرة الفيدرالية. وقد تجلت أهمية هذه الجهود عندما ألغت حكومة كارني ضريبة على شركات التكنولوجيا الكبيرة مثل جوجل وآبل العاملة في كندا، بعد إلغاء ترامب لمحادثات التجارة مع كندا بسبب هذه الضريبة.
العقبات المتبقية: سيطرة المقاطعات والتحديات الهيكلية
على الرغم من النجاح على المستوى الفيدرالي، لا تزال هناك عقبة رئيسية أمام بناء اقتصاد وطني أقوى: قواعد ولوائح المقاطعات الكندية العشر والأقاليم الثلاثة. هذه القواعد تُعتبر مجتمعة عائقًا أكبر من الحواجز الفيدرالية، حيث تؤدي إلى تفتيت معايير المنتجات واللوائح، مما يضيف أعباء ورقية ونفقات على الشركات. يرى الاقتصاديون أن هذه الحواجز الداخلية أكثر صرامة من الأنظمة الفيدرالية الأخرى مثل الولايات المتحدة، ناهيك عن الدول ذات الحكومات المركزية القوية مثل فرنسا وبريطانيا.
قضايا الترخيص المهني والتنظيم المالي
تتعلق العديد من الحواجز بقدرة المهنيين على الحصول على تراخيص للعمل خارج مقاطعاتهم الأصلية، حيث كان التقدم في هذا المجال محدودًا. على سبيل المثال، سحبت مقاطعة نوفا سكوتيا مشروع قانون كان سيعترف بالتراخيص المهنية من المقاطعات الأخرى، بسبب مخاوف تتعلق بسلطة الهيئات الحاكمة للتحقيق في سوء الممارسة خارج المقاطعة.
علاوة على ذلك، تفتقر كندا إلى منظم أوراق مالية وطني مثل لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، حيث تقع هذه السلطة في يد المقاطعات. يرى الخبراء أن هذا الترتيب يخلق ازدواجية مكلفة في الأوراق ويثبط الاستثمار، كما يسمح لمحتالي الأسهم بالإفلات من المنظمين بالانتقال من مقاطعة إلى أخرى.
تقييم الخبراء: فوائد طويلة الأمد وتحديات عملية
يتفق الاقتصاديون عمومًا على أن فتح التجارة بالكامل داخل كندا سياسة إيجابية، لكنهم يحذرون من أن الحجم الهائل للبلاد وسوقها الصغير نسبيًا (40 مليون نسمة)، بالإضافة إلى عولمة التصنيع، يعني أنه من غير المرجح أن تحل التجارة الداخلية محل السوق الأمريكي للسلع الكندية في المدى القريب. يشير تريفور تومب، الاقتصادي في جامعة كالجاري، إلى أن “الأمر قد يستغرق عقودًا حتى تتحقق هذه المكاسب الكاملة”.
تشير التقديرات إلى أنه في حالة إزالة جميع الحواجز الداخلية على السلع والخدمات، فإن الاقتصاد الكندي سينمو بين 4.4 و7.9 في المائة على المدى الطويل. ومع ذلك، يرى روبرت جانيه، الاقتصادي في كلية إدارة الأعمال HEC مونتريال، أن إزالة هذه الحواجز، رغم ضرورتها، “لن تكون كافية”.
يؤكد جانيه أن عاملين غير مرتبطين بالأنظمة يلعبان دورًا كبيرًا في الحد من التجارة داخل كندا: تكاليف النقل والإنتاجية المنخفضة للعديد من الشركات الكندية. ويوضح: “شحن شيء من مونتريال إلى بوسطن أرخص من شحنه من مونتريال إلى كالجاري”.
توضح الحقائق على أرض الواقع أن الصناعات مثل تصنيع الغسالات والأجهزة الكبيرة قد توقفت في كندا منذ عقود بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة عام 1988، ولا يتوقع أحد أن تؤدي تعريفات ترامب إلى عودة المصانع الصغيرة غير الفعّالة.
في نهاية المطاف، بينما تعمل كندا على تعزيز تجارتها الداخلية، يظل التحدي الأكبر في إقناع المقاطعات بالتخلي عن جزء من سلطاتها وقواعدها التنظيمية، وهو ما يحذر ريتشارد باورز، محامي الأوراق المالية السابق، من صعوبته.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





