باريس والجزائر دبلوماسية الوجوه الجديدة والعودة إلى حقول الألغام المشتركة

دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية مرحلة “الهدنة الاضطرارية” مع إعلان باريس عودة سفيرها لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، لمزاولة مهامه بعد أزمة دبلوماسية عاصفة استمرت لأكثر من عام. وبينما تفتح العودة التدريجية للقنوات الرسمية باب التفاؤل، تظل الملفات العالقة بمثابة “ألغام” جيوسياسية تفرض حذراً شديداً من الجانبين.
عودة السفير: رسائل باريس المشفرة
تأتي عودة روماتيه إلى الجزائر العاصمة، متزامنة مع تحركات عسكرية وأمنية مكثفة؛ حيث سجلت وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، زيارة لافتة اعتبرها مراقبون تأكيداً على أولوية التنسيق الأمني والعسكري في مسار التقارب.
وأشارت الإليزيه إلى أن هذه الخطوة تعكس رغبة الرئيس إيمانويل ماكرون في بناء “حوار فعال” يتسم بالصراحة والبصيرة، في محاولة لتجاوز حقبة الصدام التي ميزت فترة وزير الداخلية السابق برونو روتايو.
حقول الألغام: 4 ملفات تشعل فتيل الأزمة
رغم الأجواء البروتوكولية، تصطدم الرغبة في التقارب بأربعة ملفات شائكة تمنع استعادة العلاقات الطبيعية:
قضية الصحراء الغربية: يظل موقف باريس الداعم لمخطط الحكم الذاتي المغربي (يوليو 2024) حجر العثرة الأكبر، حيث تعتبره الجزائر انحيازاً صريحاً يمس توازنات المنطقة.
أزمة الترحيل والتأشيرات: لا يزال ملف ترحيل الرعايا الجزائريين والتهديد بإلغاء “اتفاقية 1968” لتنظيم الهجرة يشكل ضغطاً داخلياً في فرنسا، يقابله رفض جزائري قاطع لأي لغة تتسم بـ “التهديد والإنذارات”.
قضية “الموظف القنصلي”: عاد التوتر للواجهة في مارس 2026 بعد قرار فرنسا تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري لمدة سنة إضافية، وهو ما اعتبرته الجزائر انتهاكاً لـ “اتفاقية فيينا” وحذرت من “عواقب حتمية” على مسار العلاقات.
ملف الذاكرة والسيادة: تظل قضايا اعتراف فرنسا بجرائم الحقبة الاستعمارية وتداعيات التجارب النووية في الصحراء الجزائرية ملفات وجدانية لا تقبل القسمة على اثنين في المخيال السياسي الجزائري.
دبلوماسية “الوجوه الجديدة”
تبدو باريس وكأنها تنتهج استراتيجية “تبديل الوجوه” لتهيئة الأرضية لتهدئة مستدامة. فالزيارات المتتالية لوزراء الداخلية والدفاع تهدف إلى تحييد الملفات الخلافية الكبرى والتركيز على المصالح المشتركة في منطقة الساحل والأمن الطاقوي.
الخلاصة: إن مستقبل الشراكة بين ضفتي المتوسط يظل رهينة قدرة الطرفين على إدارة ملفات تتداخل فيها اعتبارات الذاكرة التاريخية مع التوازنات الإقليمية المتغيرة. فهل تنجح “الدبلوماسية الهادئة” في تفكيك ألغام الماضي، أم أن الانفجار القادم هو مسألة وقت فقط؟
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





