اوروباأخبار العالم

قمة لندن: ماكرون وستارمر يرسمان مسار أوروبا الجديد في ظل تحديات ترامب و”ما بعد البريكست”

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لندن في زيارة دولة تاريخية، تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين فرنسا والمملكة المتحدة بعد سنوات من التوتر الذي أعقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هذه الزيارة، التي تستغرق ثلاثة أيام، هي الأولى لرئيس فرنسي منذ “البريكست”، وتكتسب أهمية مضاعفة كونها أول قمة بين الحكومتين البريطانية والفرنسية منذ عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

بدأت الزيارة باستقبال ملكي حافل في مطار لندن، حيث كان في استقبال ماكرون وزوجته بريجيت كل من الأمير ويليام وزوجته كيت. انتقل الوفد بعد ذلك إلى قلعة وندسور للقاء الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، في مظاهرة احتفالية شملت جولة بعربة ملكية ومأدبة فاخرة. تتضمن أجندة ماكرون أيضًا زيارة لدير وستمنستر، المكان الأيقوني الذي يضم رفات العديد من الملوك والملكات البريطانيين، بالإضافة إلى إلقاء خطاب أمام أعضاء مجلس اللوردات والنواب. تكريمًا للعلاقات التاريخية، سيضع الرئيس الفرنسي أكاليل من الزهور عند تمثالي القائدين التاريخيين ونستون تشرشل وشارل ديغول.


 

تعزيز التعاون الدفاعي والأمني في زمن عدم اليقين

 

يشكل التعاون الأمني، وخاصة دعم أوكرانيا، حجر الزاوية في هذه الزيارة. من المقرر أن يلتقي الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كيير ستارمر في قاعدة نورثوود العسكرية لمتابعة خطط تشكيل “تحالف الراغبين”، وهي قوة حفظ سلام أوروبية مشتركة كانا قد أسساها في مارس الماضي. من المتوقع أن يشارك في هذا الاجتماع قادة غربيون بارزون آخرون عبر الفيديو، بمن فيهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرز.

تأتي هذه الجهود في ظل قلق أوروبي متزايد بشأن تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن القارة، خاصة بعد القرارات الأخيرة التي اتخذها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث بوقف شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا. يرى العديد من الخبراء أن هذا الوضع يدفع بريطانيا وفرنسا إلى تولى زمام المبادرة في قيادة الجهود الدفاعية الأوروبية، نظرًا للطبيعة المتقلبة لالتزامات ترامب تجاه أمن أوروبا.

ستتناول المحادثات أيضًا قضايا الردع النووي. لطالما ألمح ماكرون إلى إمكانية توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل دولًا أوروبية أخرى، في حين أن بريطانيا، بحكم عضويتها في الناتو، تقدم مظلة نووية بالفعل. يعكس هذا النقاش “قلقًا حقيقيًا” في أوروبا بشأن فعالية الدرع النووي الأمريكي في المستقبل، مما يؤكد الحاجة إلى بدائل أوروبية قوية.


 

تحديات الهجرة على طاولة المحادثات

 

تعد الهجرة غير الشرعية عبر بحر المانش من أبرز القضايا على أجندة القمة. يسعى ستارمر إلى التوصل إلى اتفاق “واحد داخل، واحد خارج” مع فرنسا، والذي يقضي بإعادة بريطانيا للمهاجرين غير الشرعيين الذين عبروا المانش إلى فرنسا، مقابل استيعاب عدد مماثل من طالبي اللجوء الذين تمت معالجة طلباتهم. الهدف من هذا الاتفاق هو تفكيك شبكات التهريب الإجرامية التي تستغل المهاجرين.

تتفاقم الأزمة مع ارتفاع أعداد المهاجرين الذين يعبرون المانش بالقوارب الصغيرة، حيث شهد النصف الأول من العام الحالي زيادة بنسبة 48% مقارنة بالعام الماضي، ليصل العدد إلى حوالي 20 ألف شخص. على الرغم من التدابير الفرنسية الصارمة لمنع هذه العبور، فإن آمال ستارمر في تحقيق اتفاق شامل تواجه تحديات، خاصة مع اعتراضات من دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، التي تخشى أن يؤدي هذا الاتفاق إلى زيادة أعداد اللاجئين الذين يتم ترحيلهم إلى أراضيها. هذا يجعل الموقف الفرنسي “صعبًا” لأن الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي تتابع الموقف عن كثب.


 

معضلات داخلية واستراتيجيات التعامل مع ترامب

 

يواجه كل من ماكرون وستارمر تحديات سياسية داخلية كبيرة. شعبية ستارمر تراجعت بشكل ملحوظ، حيث تجاوز حزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني المتطرف حزب العمال في استطلاعات الرأي. في المقابل، يعاني ماكرون أيضًا من صعوبات سياسية في الداخل الفرنسي.

تختلف استراتيجيات الزعيمين في التعامل مع دونالد ترامب. يفضل ستارمر اتباع سياسة عدم الاختلاف مع الرئيس الأمريكي، سواء في قضايا التجارة أو الأمن. في المقابل، كان ماكرون أكثر جرأة في مواقفه، حيث قام بزيارة بارزة إلى جرينلاند (التي هدد ترامب بضمها)، واشتبك معه بعد اجتماع مجموعة السبع الأخير في كندا.

تأتي هذه الزيارة ضمن سياق إعادة ضبط العلاقات التي بدأها ستارمر مع الاتحاد الأوروبي منذ توليه السلطة في يوليو 2024. فالمسؤولون الفرنسيون، على الرغم من ذكريات سنوات “البريكست”، يسعون مع نظرائهم البريطانيين إلى “طي الصفحة” وبناء الثقة المتبادلة لتحمل مسؤولياتهما المشتركة في مواجهة روسيا والحفاظ على النظام الدولي الذي يتعرض للاختبار من قبل دونالد ترامب.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى