بصمة “المتوسط” في دمشق: خفايا ضخ الغاز من مصر إلى سوريا والالتفاف على “قانون قيصر” في 2026

“تطبيع طاقي” عابر للحدود؟
في مشهد يعكس براغماتية السياسة الدولية في عام 2026، بدأت توربينات محطات الكهرباء السورية بالدوران باستخدام تدفقات الغاز القادمة عبر الأراضي الأردنية من المركز اللوجستي المصري في العريش. الخبر الذي تصدر العناوين ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو لغز جيوسياسي يطرح سؤالاً شائكاً: كيف تحول الغاز المستخرج من حقول شرق المتوسط (المشتركة أو الإسرائيلية) إلى “شريان حياة” لدمشق تحت غطاء الاتفاقيات العربية؟
1. هندسة الصفقة: كيف وصل الغاز إلى “دير علي”؟
وفقاً لمصادر قطاع البترول المصري في يناير 2026، تتم عملية التزويد عبر “خط الغاز العربي” التاريخي وفق المسار التالي:
المصدر الفني: تستورد مصر الغاز من حقول “ليفياثان” و”تمار” بموجب اتفاقيات تجارية، ثم يتم خلطه بالإنتاج المحلي في الشبكة القومية.
التبادل الرمزي: تقنياً، الغاز لا يحمل “جنسية” بمجرد دخوله الأنابيب، لكن من الناحية السياسية، تُصدّر مصر كميات تعادل “حصتها المحلية” إلى سوريا ولبنان لضمان عدم انتهاك القوانين الدولية بشكل مباشر.
المحطة السورية: بدأت محطة “دير علي” (جنوب دمشق) باستقبال الكميات الأولى، مما أدى لتحسن ملحوظ في ساعات تغذية التيار الكهربائي.
2. “قانون قيصر” والضوء الأخضر الأمريكي
ما كان لهذه الصفقة أن ترى النور لولا التغيير الجذري في المقاربة الأمريكية عام 2026:
الاستثناء الاستراتيجي: منحت واشنطن “رسالة تطمين” للقاهرة وعمان، تسمح بمرور الغاز عبر الأراضي السورية دون التعرض لعقوبات قانون قيصر، بذريعة منع “الانهيار التام” للبنان وسوريا.
المقابل السياسي: يرى مراقبون أن السماح بمرور الغاز هو جزء من تفاهمات أوسع تهدف لتقليص الاعتماد السوري على مصادر الطاقة الإيرانية، واستبدالها بالمنظومة الطاقية العربية المرتبطة بالمتوسط.
3. الجدل المشتعل: غاز “إسرائيلي” بختم “مصري”؟
تثير هذه القضية حساسية سياسية بالغة داخل الأوساط العربية:
الواقع الفني: مصر أصبحت “موزعاً إقليمياً”؛ فهي تشتري الغاز الخام، وتستخدم بنيتها التحتية لإعادة تصديره، مما يجعل من المستحيل فصل الغاز الإسرائيلي عن المصري في الأنابيب الموجهة للشمال.
المكاسب السورية: تحصل سوريا على 8% من كميات الغاز المار عبر أراضيها كـ “رسوم عبور” عينية، مما يوفر لها طاقة مجانية دون دفع ثمن مباشر للشركات الموردة.
المكاسب الإسرائيلية: تعزيز الصادرات عبر الأنابيب المصرية يضمن لشركات التنقيب سوقاً مستقرة وممتدة وصولاً إلى العمق العربي.
4. خارطة الطاقة الجديدة في 2026
تحول “خط الغاز العربي” من مشروع معطل إلى “عمود فقري” للنظام الإقليمي الجديد:
مصر: مركز الثقل ومتحكم في “المحبس” الرئيسي.
الأردن: الممر الاستراتيجي ومنسق العمليات اللوجستية.
سوريا: نقطة الربط التي استعادت دورها كجسر بين المتوسط والمشرق العربي.
خلاصة: هل تنجح “دبلوماسية الأنابيب”؟
إن ضخ الغاز إلى سوريا في 2026 يثبت أن حاجة الشعوب للكهرباء وحاجة الدول للاستقرار الاقتصادي قادرة على فتح ممرات مغلقة منذ سنوات. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول مدى استدامة هذا “الترتيب المعقد” في حال حدوث أي توتر عسكري جديد في حوض المتوسط.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





