“عربة المغطاة” التي روضت الأجواء.. حكاية “لانغلي” أول حاملة طائرات أمريكية واللقاء الدامي مع اليابان

نص المقال:
قبل أن تصبح حاملات الطائرات مدناً عائمة من الفولاذ والنووي، بدأت القصة بسفينة متواضعة، غريبة الأطوار، يغطيها الخشب وتدفعها أحلام السيطرة على أعالي البحار. إنها “يو إس إس لانغلي” (USS Langley)، السفينة التي منحت أمريكا أجنحتها البحرية، قبل أن تتحول إلى حطام في قاع المحيط بفعل نيران “الساموراي” الياباني.
التحول العجيب: من الفحم إلى الفضاء الجوي
ولدت هذه السفينة عام 1912 كناقلة فحم ضخمة، لكن في عام 1920 خضعت لعملية جراحية عسكرية كبرى. أزال المهندسون معدات الفحم ووضعوا فوقها سطحاً خشبياً مسطحاً ممتداً، لتتحول إلى أول منصة طيران عائمة في تاريخ البحرية الأمريكية. وبسبب شكلها البدائي الذي يشبه عربات الخيل الخشبية القديمة، أطلق عليها الطيارون لقب “The Covered Wagon” (العربة المغطاة).
مختبر الموت والحياة
كانت “لانغلي” مدرسة الطيران الأصعب؛ فسطحها الخشبي لم يكن مجرد مدرج، بل كان ساحة لاختبار نظريات الهبوط والإقلاع المحفوفة بالمخاطر. هناك، تعلم الطيارون الأوائل كيف يروضون طائراتهم الورقية والمعدنية على مدرج يهتز فوق الأمواج، ومن رحم هذه السفينة الخشبية وُلدت عقيدة الحرب الجوية التي حسمت صراعات القرن العشرين.
يوم السقوط: نيران في جاوة
في فبراير 1942، ومع اشتعال نيران الحرب العالمية الثانية، كانت “لانغلي” تحمل شحنة ثمينة من الطائرات المقاتلة لتعزيز الدفاعات في جزر الهند الشرقية الهولندية. لكن القدر لم يمهلها؛ حيث رصدتها عيون الطيران الياباني بالقرب من ميناء تشيلاتشاب.
انقضت القاذفات اليابانية بضراوة، واستهدفت السطح الخشبي والهيكل العتيق بخمس قنابل مدمرة. اشتعلت النيران في “العربة المغطاة” وفقدت قدرتها على المناورة. وفي مشهد مأساوي، اضطر الطاقم لإخلائها، وقامت السفن الأمريكية المرافقة بإغراقها بنفسها بالطوربيدات لضمان عدم استيلاء اليابانيين على “أم الحاملات”.
الخاتمة
رحلت “لانغلي” عن الوجود، لكنها لم ترحل عن التاريخ. فقد أثبتت للعالم أن المستقبل لمن يمتلك السماء فوق البحر، ولولا تلك الألواح الخشبية التي احترقت في المحيط الهادئ، لما عرفت البحرية الأمريكية طريقها إلى النصر في “ميدواي” وما تلاها.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





