أخبار العالمافريقياسياسةعاجلمنوعات

ضريبة الرحيل الأخير: حقيقة فرض رسوم على نقل الجثامين في السودان التي أثارت غضباً واسعاً ورد الجهات الرسمية

ضريبة الرحيل الأخير: حقيقة فرض رسوم على نقل الجثامين في السودان التي أثارت غضباً واسعاً ورد الجهات الرسمية


استهلال: الموت في زمن الجباية

لم تكن الأوجاع التي خلفتها الحرب في السودان كافية، حتى جاءت قضية “رسوم نقل الجثامين” لتسكب الزيت على نار المعاناة الإنسانية. في مشهد وصفه الكثيرون بالصادم، تداولت الأوساط السودانية أخباراً تفيد بفرض رسوم مالية مقابل السماح بنقل الموتى، مما حول لحظات الحزن والوداع إلى معارك مع “البيروقراطية” والجباية، وأطلق تساؤلاً مريراً في الشارع: هل صار للموت في السودان ثمن؟

أصل الحكاية: “مستندات مسربة” وصدمة شعبية

انطلقت شرارة الأزمة من منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وواتساب)، حيث انتشرت صور لقوائم مالية قيل إنها صادرة عن إدارات صحية أو محلية، تفرض مبالغ تتراوح ما بين آلاف الجنيهات لنقل الجثمان داخل الولاية أو عبر المعابر.

  • رد الفعل الشعبي: اعتبر الناشطون أن هذه الخطوة “سقوط أخلاقي” لا يراعي حرمة الموت ولا ظروف الفقر المدقع التي يعيشها السودانيون بسبب الصراع المستمر.

  • الهاشتاجات الغاضبة: تصدرت وسوم مثل #إكرام_الميت_مجاناً و #لا_لجبايات_الموت الترند السوداني، وسط دعوات لمقاطعة دفع أي رسوم غير قانونية.

السلطات تحت المجهر: “توضيحات أم تبريرات؟”

أمام هذا الضغط الجماهيري، اضطر مسؤولون في قطاع الصحة بولاية الخرطوم وبعض الولايات الأخرى للخروج بتوضيحات رسمية، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. نفي التعميم: أكدت السلطات أن الأصل هو “مجانية الخدمات العدلية والطبية” المتعلقة بالوفيات الطبيعية، وأن الرسوم (إن وجدت) تتعلق بخدمات اختيارية أو إجراءات إدارية قديمة لم يطرأ عليها تغيير.

  2. توفير الوقود والتشغيل: برر بعض المسؤولين وجود مبالغ رمزية بأنها تذهب لتغطية “وقود سيارات الإسعاف” وصيانة المشارح التي تعاني من ضغط هائل وانقطاع مستمر للكهرباء.

  3. الحالات الخاصة: أوضحت السلطات أن نقل الجثامين بين الولايات يتطلب إجراءات أمنية وصحية خاصة (تصاريح مرور)، وهي إجراءات إدارية وليست تجارية.

التحليل الإنساني: الموت بين مطرقة الحرب وسندان الرسوم

يرى مراقبون للوضع السوداني أن هذه الأزمة ليست مجرد “خلاف على مبالغ مالية”، بل هي انعكاس لانهيار العقد الاجتماعي. ففي بلد يعاني من:

  • توقف الرواتب لأكثر من عام في معظم القطاعات.

  • صعوبة التنقل بين المناطق بسبب السيطرة العسكرية المختلفة.

  • نقص المواد الطبية والخدمات الأساسية. يصبح فرض أي مبلغ مالي على “الجنازة” بمثابة عبء يفوق طاقة المواطن، ويؤدي إلى زيادة مشاعر الغبن تجاه المؤسسات الرسمية.

مبادرات النفير: الرد السوداني الأصيل

وكعادة السودانيين في الأزمات، لم يقف المجتمع مكتوف الأيدي. فقد انطلقت مبادرات “النفير” في الأحياء والقرى لتوفير سيارات نقل موتى خاصة (مجانية)، وتكفل الميسورون بدفع أي رسوم تفرضها المشافي على الأسر الفقيرة، في رسالة واضحة بأن “التكافل الاجتماعي” أقوى من أي قرارات إدارية جائرة.

السيناريوهات القانونية والأخلاقية

يطالب قانونيون سودانيون بضرورة إصدار قرار سيادي واضح يمنع تحصيل أي رسوم تحت أي مسمى يتعلق بنقل أو دفن الجثامين خلال فترة الحرب، معتبرين أن أي جباية في هذا السياق قد ترقى إلى مستوى “الانتهاك الإنساني” في ظل ظروف القهر التي يعيشها المواطن.

خاتمة: الموت لا يقبل “الدمغة”

إن ضجيج السخط الذي أحدثته رسوم نقل الجثامين هو صرخة في وجه كل من يحاول “تسليع” الموت. كاد السودانيون أن يفقدوا كل شيء في هذه الحرب، لكنهم يرفضون التنازل عن كرامة موتاهم. يبقى التحدي أمام السلطات ليس فقط في “توضيح” الرسوم، بل في إلغائها تماماً والاعتذار عن أي إرباك تسببت فيه لمواطن يبحث فقط عن “ستر” ذويه في رحلتهم الأخيرة.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى