اخر الاخبارأخبار العالماسياالشرق الاوسطحروبسياسةمنوعات

قراءة في أبعاد إعلان انهيار المفاوضات بين دمشق وقسد وتداعياتها على جيوسياسية الشمال السوري

قراءة في أبعاد إعلان انهيار المفاوضات بين دمشق وقسد وتداعياتها على جيوسياسية الشمال السوري

وصف المقال (Meta Description)

مسؤول كردي يعلن رسمياً: المفاوضات بين دمشق وقسد انتهت بلا عودة. حلل معنا في هذا التقرير أسباب الصدام التكتيكي، ومصير “شرق الفرات” في ظل الغياب الروسي والتعنت السوري، ومخاطر التصعيد العسكري القادم.


مقدمة: رصاصة الرحمة على “حوار الضرورة”

منذ اندلاع الأزمة السورية، كانت العلاقة بين الحكومة المركزية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تتراوح بين “التعاون الاضطراري” ضد الإرهاب و”التنافس السيادي” على الأرض والموارد. ومع صدور تصريح المسؤول الكردي الأخير، يبدو أن رصاصة الرحمة قد أُطلقت على مسار الحوار، حيث أعلن بوضوح أن المفاوضات بين دمشق وقسد قد انهارت تماماً، تاركةً خلفها ملفات مشتعلة لا تقبل التأجيل.

هذا الانهيار ليس مجرد “استراحة محارب” دبلوماسية، بل هو اعتراف بفشل الطرفين في جسر الهوة بين مفهوم “الدولة المركزية الشمولية” وبين “الإدارة الذاتية اللامركزية”. وفي ظل هذا الانسداد، يبرز السؤال الأهم: ما هو الثمن الذي ستدفعه الجغرافيا السورية نتيجة هذا الانقطاع السياسي؟


أولاً: جذور الصدام.. أين تكسرت أمواج التفاوض؟

يرى مراقبون أن المفاوضات بين دمشق وقسد اصطدمت بثلاث صخور رئيسية جعلت من التفاهم أمراً شبه مستحيل:

1. صخرة “السيادة المطلقة” مقابل “الحق القومي”

بالنسبة لدمشق، السيادة لا تُجزأ؛ فهي تطالب بعودة مؤسسات الدولة، الأمن، والجيش إلى كل شبر في شرق الفرات دون قيد. في المقابل، ترى “قسد” أن عودة دمشق بالصيغة القديمة هي “انتحار سياسي” وتفريط في دماء الآلاف الذين سقطوا لبناء “الإدارة الذاتية”.

2. معضلة السيطرة على الثروات السيادية

تمثل مناطق شرق الفرات “سلة خبز سوريا” و”خزان نفطها”. انهارت المفاوضات لأن دمشق ترفض أي صيغة تشاركية في إدارة النفط، بينما ترفض قسد تسليم “ورقة الضغط” الأقوى التي تملكها دون ضمانات سياسية ودستورية واضحة.

3. التداخل العسكري والولاءات

اشترطت دمشق حل قوات قسد وانضمامها فرادى للجيش السوري، بينما أصرت قسد على الحفاظ على استقلاليتها التنفيذية ضمن منظومة الدفاع الوطنية، وهو ما تعتبره دمشق “شرعنة لميليشيا” داخل كيان الدولة.


ثانياً: العامل الخارجي.. واشنطن وموسكو في قفص الاتهام

لعبت القوى الدولية دوراً “مزدوجاً” في إيصال المفاوضات بين دمشق وقسد إلى هذه النهاية الدرامية:

  • الدور الأمريكي (المحفز السلبي): يرى محللون أن الوعود الأمريكية بـ “البقاء الطويل” منحت قسد شعوراً زائداً بالأمان، مما جعلها ترفع سقف مطالبها أمام دمشق. واشنطن لم تشجع الحوار جدياً لأنها تريد بقاء شرق الفرات ورقة ضغط ضد دمشق وحلفائها.

  • الدور الروسي (الوسيط العاجز): حاولت موسكو لعب دور “الضامن”، لكنها اصطدمت بتعنت دمشق وعدم ثقة قسد. انهيار المفاوضات يمثل إخفاقاً للدبلوماسية الروسية التي كانت تراهن على “المصالحة الوطنية” كبديل عن العمليات العسكرية التركية.


ثالثاً: التداعيات الجيوسياسية.. من المستفيد من “الفراغ السياسي”؟

انهيار الحوار يفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة في المنطقة:

  1. الضوء الأخضر لتركيا: لطالما كانت أنقرة تخشى من اتفاق “دمشق-قسد” الذي قد ينهي ذريعة “الأمن القومي”. الآن، ومع انهيار الحوار، تجد تركيا الفرصة سانحة لتكثيف ضرباتها الجوية ومطالبتها بـ “منطقة آمنة” أوسع، مستغلة غطاء التفكك الداخلي السوري.

  2. اشتعال جبهة دير الزور: قد تسعى دمشق لتحريك “المقاومة الشعبية” والعشائر ضد قسد في ريف دير الزور والحسكة، كنوع من الضغط الميداني البديل عن طاولة المفاوضات.

  3. انعاش خلايا “داعش”: تاريخياً، كلما تصادمت القوى المحلية المناهضة لداعش، وجد التنظيم مساحة للتنفس وإعادة رص صفوفه، مما يهدد الأمن الإقليمي والدولي.


رابعاً: سيكولوجية المفاوض الكردي.. لماذا أعلن الانهيار الآن؟

توقيت إعلان “الانهيار التام” يحمل دلالات هامة:

  • اليأس من التغيير في دمشق: وصلت قيادات قسد إلى قناعة بأن دمشق “لا تريد حواراً بل استسلاماً”، وأن الانتظار أكثر هو مضيعة للوقت.

  • تحصين الجبهة الداخلية: يهدف الإعلان إلى حسم الجدل داخل المكون الكردي وقطع الطريق أمام الأصوات التي كانت تطالب بالتنازل لدمشق لتجنب الهجوم التركي.


خامساً: هل هناك طريق للعودة؟

رغم نبرة الحزم في تصريح المسؤول الكردي، إلا أن الجغرافيا تفرض شروطها. قسد ودمشق محكومتان بالتعايش الجغرافي، والتنسيق “الخدمي” و”الأمني المحدود” قد يستمر تحت الطاولة، لكن “الاتفاق السياسي الشامل” أصبح في ذمة التاريخ، على الأقل في المدى المنظور.


سادساً: التحديات المستقبلية للإدارة الذاتية

بعد انهيار المفاوضات، تجد الإدارة الذاتية نفسها أمام تحديات وجودية:

  • كيف ستحافظ على تماسك المكونات العربية والكردية دون مظلة “اتفاق وطني”؟

  • كيف ستتعامل مع الضائقة الاقتصادية في ظل “الحصار” الذي قد تفرضه دمشق وحلفاؤها؟

  • كيف ستواجه التهديدات التركية دون “ضمانة سيادية” من الدولة السورية؟


سابعاً: الخلاصة.. سوريا والتقسيم الصامت

في الختام، يمثل انهيار المفاوضات بين دمشق وقسد خطوة إضافية نحو “التقسيم الصامت” أو تكريس مناطق النفوذ. إن فشل السوريين في الاتفاق فيما بينهم يترك مصيرهم بيد القوى الإقليمية والدولية.

ستظل مناطق شرق الفرات ساحة للتجاذبات، ومع غياب الحل السياسي، يبقى الخيار العسكري هو “اللغة الوحيدة” المتبقية، وهو ما ينذر بموسم جديد من النزوح والمعاناة لشعب لم يعد يحتمل المزيد من الصراعات.


لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى