الشرق الاوسطاخر الاخبار

شروط السلام السوري مع إسرائيل: هل تتنازل دمشق عن الجولان؟

يتخذ الرئيس السوري أحمد الشرع موقفًا يبدو مهادنًا تجاه إسرائيل منذ وصوله إلى دمشق، مؤكدًا سعيه لإقامة علاقات طبيعية مع جميع دول العالم، بما فيها إسرائيل. في المقابل، تصر إسرائيل على تصنيف هيئة تحرير الشام كـ”تنظيم إرهابي”، وانسحبت من اتفاقية فك الاشتباك عام 1974. كما تحتل إسرائيل مناطق واسعة من بلدتي القنيطرة ودرعا، وتسيطر على جبل الشيخ الاستراتيجي، وتحاول فرض منطقة أمنية منزوعة السلاح في كامل المنطقة الجنوبية (درعا والسويداء). ولم تتوقف الغارات الجوية الإسرائيلية التي دمرت البنية التحتية العسكرية السورية بأكثر من 400 غارة، واستمرت في اختراق الأجواء السورية في حربها ضد إيران في النصف الأول من يونيو 2025.

على الرغم من كل ذلك، لم يتغير موقف الإدارة السورية، ولم يرتفع صوتها بالاعتراض. يبدو أن ضغط العلاقة مع الإدارة الأمريكية، وحث ترامب للشرع على الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وحاجة سوريا الماسة لرفع العقوبات عنها، كلها عوامل ساهمت في خفض هذا الصوت. هذا يحدث رغم وجود قرارات دولية تؤكد حق السوريين في استعادة الجولان كاملاً منذ احتلاله عام 1967، وقرار برفض ضم إسرائيل للجولان عام 1981. وهي مواقف يجب على إدارة الشرع أن تتمسك بها وتناضل من أجلها دوليًا وعربيًا وإقليميًا.


 

استراتيجية قاصرة ودبلوماسية “تمييعية”

 

يبدو أن هناك استراتيجية قاصرة لدى الدول العربية يتبناها الرئيس أحمد الشرع، مفادها ضرورة السلام مع إسرائيل لـ”تشريع” سلطاتهم لدى الإدارة الأمريكية. يتجلى سوء الموقف العربي تجاه إسرائيل في عدم التمسك بمبادرة قمة بيروت 2002 (السلام مقابل الأرض) التي رفضتها إسرائيل، وعدم إلغاء اتفاقيات التطبيع السابقة. بل على العكس، وقعت بعض الدول الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020، ولم تمثل مأساة غزة والحرب المدمرة منذ 7 أكتوبر 2023 سببًا لإلغاء تلك الاتفاقيات.

لم يتنبه الشرع نفسه إلى استمرار مأساة غزة، ليجعل إنهاءها شرطًا للسلام، كما تفعل السعودية مثلاً التي تؤكد أن السلام مع إسرائيل يتطلب وقف الحرب على غزة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. يبدو أن المفاوضات المباشرة في بعض الدول الإقليمية، لا سيما في باكو، قد دفعت الشرع إلى تراجع طفيف عن موقفه اللين والتمسك بالقرارات الدولية واتفاقية 1974. ربما يفسر هذا قصف الجيش الإسرائيلي لمقر هيئة الأركان في دمشق والسويداء ودرعا وبالقرب من القصر الجمهوري مؤخرًا، تحت ذريعة حماية الدروز، بينما الهدف الحقيقي هو بسط السيطرة الأمنية على كامل جنوب سوريا.

إن تراجع الشرع النسبي لا يعني تغييرًا في استراتيجيته تجاه إسرائيل. هذه الاستراتيجية تستند إلى رؤية قاصرة ترى أن شرعية الحكم “خارجية بالضرورة”، وأن أي حكم قابل للسقوط بدونها. هذا يتجاهل أن الشرعية الحقيقية تأتي من الشعب، وتتطلب تنازلات من الأنظمة الحاكمة، وهو ما ترفضه تلك الأنظمة. هذا الاعتماد على الشرعية الخارجية يجعل الأنظمة عرضة للابتزاز والشروط، بينما الشرعية الداخلية تمنحها حصانة أكبر.


 

الجولان: خط أحمر ومستقبل سوريا

 

يجب أن يكون التمسك باستعادة الجولان كاملاً هو المدخل لأي مفاوضات أمنية حدودية أو لاتفاقية سلام. هذا ما لم يعلنه الشرع بوضوح. يجب ألا تدفع الحالة الكارثية التي تعيشها سوريا، كبلد مدمر، السلطة إلى قبول سلام غير مشروط، خاصة وأن إسرائيل ترفض التراجع عن احتلال الجولان. قد تحدد إسرائيل للشرع أن الخيار الوحيد هو العودة إلى اتفاق فك الاشتباك، والتخلي الكامل عن الجولان، ووضع شروط جديدة تتعلق بالبقاء في جبل الشيخ وغيره.

قد تدفع هشاشة أوضاع سلطة دمشق إلى خفض مطالبها، وهناك حراك دبلوماسي لا يبدو استراتيجيًا للدخول في المفاوضات. هذا يثير تساؤلات حول إمكانية عقد صفقة سرية تتنازل فيها إدارة الشرع عن الحق في الجولان مقابل العودة إلى فك الاشتباك وتأبيد ذاتها في الحكم. ضعف التغطية الإعلامية حول الموقف من الاتفاقية يزيد من هذه التساؤلات، ولم يتغير ذلك حتى بعد أحداث السويداء.

تبدو إسرائيل صارمة تجاه احتلال الجولان، وتريد الآن فرض منطقة أمنية على كامل الجنوب السوري. أي اتفاقية سلام يجب أن تنطلق من رفض دمشق لهذه الشروط. لا يمكن أن يصبح الجولان “واحة سلام” تحت السيادة الإسرائيلية؛ فهو أرض سورية لا بد أن تعود إلى سوريا. والمنطقة الأمنية تمثل سيطرة كاملة على العاصمة نفسها، وبالتالي يجب رفضها. أي تراجع عن هذا الموقف سيضع الشرع وإدارته في مشكلات متفاقمة مع الشعب السوري، الذي يؤكد على سورية الجولان وكل أرض سورية.


 

الشرعية الداخلية: مفتاح القوة ورفض الإملاءات الخارجية

 

هناك “تمييع” من قبل إدارة الشرع في موضوع مفاوضات الحدود والاستقرار أو شروط السلام. لا يوجد موقف واضح يتبناه السلك الدبلوماسي أو إعلام السلطة. هذا التمييع يهدف إلى كسب الوقت ومراقبة مواقف السوريين، وحثهم على قبول استراتيجية دمشق تجاه إسرائيل، خاصة وأن صرامة إسرائيل في قضية الجولان تدين صمت الإدارة. ربما تتوهم الإدارة أن السوريين، الغارقين في المشاكل، قد يصمتون تجاه اتفاق سلام منقوص يتخلى عن الجولان أو يسمح بمنطقة أمنية. هذه الأوهام مرفوضة وقد تؤدي إلى تهديد مباشر لمستقبل الشرع نفسه. لذا، فإن التمسك باستعادة الجولان أولاً هو الموقف الصحيح. يجب على الإدارة التخلص من رؤيتها القاصرة بأن شرعيتها تأتي من الخارج.

إن البدء بخطوات نحو الانتقال الديمقراطي في سوريا، وإشراك الشعب في النهوض بالدولة، وضمان الحريات والتعددية، هو ما سيؤمن شرعية داخلية للنظام. هذا سيمكنه من محاصرة أي اتجاهات سورية تستعين بالخارج، ويجعلها معزولة شعبيًا. هذه الخطوات ستمكنه من الوقوف في وجه الشروط الخارجية والصهيونية. على النقيض، إذا استمرت إدارة الشرع في فرض هيمنتها الكاملة على الدولة، ستتكاثر أسباب التذمر والاحتجاج. السويداء حاليًا في حالة عداء مع إدارة دمشق بسبب الحملة العسكرية التي حاصرتها. هناك فشل كبير في تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، واستئثار بجميع المؤسسات التي تقود المرحلة الانتقالية. وإذا أضفنا غياب موقف دقيق تجاه شروط إسرائيل للسلام، فإن احتمال حدوث مشكلات أمنية تهدد السلطة نفسها يصبح أحد السيناريوهات المتوقعة.

الجولان لن يكون واحة سلام تحت السيادة الإسرائيلية؛ هو أرض سورية وشعبه جزء من الشعب السوري. استعادته هي وحدها التي ستسمح بالسلام، وضمن خطة عربية لإقامة الدولة الفلسطينية. هذا هو شرط التفاوض. تخطئ سلطة دمشق إذا بدأت مفاوضات مباشرة، والأفضل أن تظل غير مباشرة، بما يعيد حق السوريين في أرضهم المحتلة منذ 1967، وخارج الأراضي السورية المحتلة، خاصة بعد تقارير تؤكد حدوث لقاءات تفاوضية في أراضي الجولان المحتل.

إن قضية العلاقة مع إسرائيل تتطلب إجماعًا شعبيًا وتغييرًا دستوريًا. لا يمكن تحقيق ذلك قبل إجراء انتخابات عامة (خاصة لرئاسة مجلس الشعب) وبناء مؤسسات سياسية شرعية، وهذا سيحدث بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (أي بعد خمس سنوات). حينها فقط يمكن طرح القضايا المذكورة أعلاه؛ وإلا، فستظل فاقدة للمشروعية الدستورية وموافقة الشعب.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى