اخر الاخبارأخبار العالمالشرق الاوسطسياسةعاجلمنوعات

تحليل “أول تعليق من قسد” ولماذا يرفض الشمال السوري مبادرات دمشق الأحادية؟

تحليل “أول تعليق من قسد” ولماذا يرفض الشمال السوري مبادرات دمشق الأحادية؟


مقدمة: مرسوم العفو في مهب الريح السياسية

لم يكد يجف حبر المرسوم التشريعي الجديد الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد، والذي تضمن عفواً عاماً عن مجموعة واسعة من الجرائم، حتى جاء الرد من أقصى الشمال الشرقي للبلاد ليضع هذا التحرك في خانة “المناورة السياسية”. أول تعليق من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية لم يكن مجرد انتقاد عابر، بل كان بياناً سياسياً مثقلاً بالدلالات، حيث وُصف المرسوم بأنه “لا يلبي الطموحات” ويفتقر إلى الأرضية الصلبة لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية.

هذا الموقف يعكس عمق الهوة بين “عقلية الدولة المركزية” في دمشق و”مشروع اللامركزية” في القامشلي، ويفتح الباب على مصراعيه للتساؤل: ما الذي تريده “قسد” فعلياً لتقبل بمثل هذه المراسيم؟ وكيف قرأ المحللون الثغرات التي جعلت هذا العفو يبدو “منقوصاً” في عيون المعارضة؟


تشريح الموقف: لماذا قالت “قسد” لا؟

تعليق “قسد” استند إلى رؤية ترى أن القضية السورية ليست مجرد “أزمة ملاحقين قضائياً”، بل هي أزمة وجود وحقوق. ويمكن تلخيص أسباب هذا الرفض في النقاط التالية:

1. “فخ” التصنيفات القانونية

تؤكد القيادات السياسية في شمال وشرق سوريا أن المرسوم يستثني بشكل “ممنهج” المعتقلين الذين تهمتهم الأساسية هي معارضة النظام. فمعظم المعتقلين في السجون السورية يواجهون تهم “الإرهاب” أو “نشر أنباء كاذبة وهدامة”، وهي تهم غالباً ما يتم استثناؤها من مفاعيل العفو العام، أو تُوضع لها شروط تعجيزية. بالنسبة لـ “قسد”، العفو الذي لا يفتح أبواب سجن “صيدنايا” وغيره من مراكز الاحتجاز الكبرى أمام السياسيين، هو عفو “تجميلي” فقط.

2. غياب الضمانات الدولية

ترى الإدارة الذاتية أن أي مرسوم يصدر عن طرف واحد دون “ضامن دولي” (مثل روسيا أو الأمم المتحدة) يظل محفوفاً بالمخاطر. فالسوريون في مناطق الشمال يخشون أن يكون العفو “فخاً” لاستدراج المطلوبين ثم اعتقالهم بتهم جديدة لم يشملها المرسوم، وهو ما تعتبره “قسد” سبباً جوهرياً لجعل المبادرة “غير كافية”.

3. تجاهل “قوات سوريا الديمقراطية” ككيان عسكري

الطموح الذي تتحدث عنه “قسد” يتضمن بالضرورة تسوية أوضاع آلاف المقاتلين في صفوفها. المرسوم الحالي لا يتطرق إلى “الاعتراف القانوني” بالوضع القائم في الشمال، مما يعني أن المنتمين لـ “قسد” لا يزالون في نظر قانون دمشق “خارجين عن القانون”، وهو ما يجعل وصف “لا يلبي الطموحات” وصفاً دقيقاً لمخاوفهم.


الطموحات المفقودة: ماذا تريد “قسد” من دمشق؟

عندما يتم انتقاد المرسوم بأنه لا يلبي الطموح، فإن “قسد” تشير ضمناً إلى سلة من المطالب السياسية والميدانية التي لم تتحقق:

  • الاعتراف الدستوري: لا يمكن لأي عفو أن ينجح دون أن يسبقه اعتراف بـ “الإدارة الذاتية” كجزء من هيكلية الدولة السورية الجديدة.

  • تبييض السجون بالكامل: تطالب القوى الكردية والعربية في الشمال بعفو “شامل وناجز” ينهي ملف الاعتقال السياسي للأبد، بعيداً عن الاستثناءات القانونية المعقدة.

  • التغيير الديمقراطي: تربط “قسد” بين نجاح المراسيم وبين الانخراط الجدي في تنفيذ القرار الأممي 2254، معتبرة أن المراسيم المنفردة هي محاولة للالتفاف على المسار الدولي.


السياق الإقليمي والدولي لتعليق “قسد”

يأتي هذا الرد القوي في وقت حساس جداً من عمر الصراع السوري (يناير 2026). هناك عدة عوامل دفعت “قسد” لهذا الموقف:

  1. الضغوط الأمريكية: تحرص “قسد” على مواءمة مواقفها مع الموقف الأمريكي الرافض لأي تطبيع مجاني مع دمشق دون تنازلات حقيقية في ملف حقوق الإنسان.

  2. التفاهمات مع روسيا: تحاول “قسد” الضغط على الوسيط الروسي لانتزاع مكاسب أكبر، معتبرة أن القبول بمراسيم دمشق “الضعيفة” سيضعف موقفها التفاوضي.

  3. الواقع الاقتصادي: في ظل الانهيار الاقتصادي، ترى “قسد” أن الأولوية هي لرفع العقوبات والحل السياسي الشامل، وليس لمراسيم عفو لا تسمن ولا تغني من جوع على مستوى المعيشة والأمن.


الثغرات القانونية في المرسوم: وجهة نظر المعارضة في الشمال

بالتعمق في بنود المرسوم التي انتقدتها “قسد”، نجد أن هناك “شيطاناً يسكن في التفاصيل”:

  • الغرامات والتعويضات: العديد من بنود العفو تشترط دفع مبالغ مالية كبيرة أو إجراء “تسويات” تتضمن اعترافاً بالذنب، وهو ما يرفضه السياسيون المعارضون.

  • الخدمة الإلزامية: رغم شمول الفارين من الخدمة العسكرية، إلا أن المرسوم يلزمهم بالالتحاق بالجيش فوراً، وهو ما تعتبره “قسد” وسيلة لتفريغ مناطقها من الشباب لصالح قوات الحكومة.


ردود الفعل داخل دمشق: صمت أم تجاهل؟

في المقابل، غالباً ما تقابل دمشق تعليقات “قسد” بالتجاهل الإعلامي، معتبرة أن هذه المراسيم هي “سيادة وطنية” لا تخضع للتفاوض. هذا الانفصال في الخطاب بين الطرفين يؤكد أن الطريق نحو حوار “قامشلي-دمشق” لا يزال مليئاً بالألغام، وأن مرسوم العفو 2026 بدلاً من أن يكون جسراً للعبور، تحول إلى مادة جديدة للنزاع السياسي.


الخاتمة: العفو العام بين “المنحة” و”الاتفاق”

إن تعليق “قسد” على مرسوم العفو بأنه “لا يلبي الطموحات” يختصر معضلة الحكم في سوريا؛ فدمشق لا تزال تتعامل مع العفو كـ “منحة رئاسية” تُعطى لمن تشاء وتُمنع عمن تشاء، بينما تراه القوى في الشمال كـ “حق وطني” يجب أن ينتج عن مفاوضات شاملة تضمن كرامة الجميع.

بين هذا وذاك، يبقى المواطن السوري المعلق بين جبهات الصراع هو الخاسر الأكبر، منتظراً يوماً يكون فيه “العفو” حقيقياً، شاملاً، ومدعوماً بإرادة سياسية تنهي عقداً ونصف من المعاناة.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى