“حروب الذاكرة والسيادة”.. ماريا زاخاروفا ترسم ملامح الصدام الأيديولوجي بين موسكو و”الغرب الجماعي”

في تصريح يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود العمل الدبلوماسي المعتاد، وضعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، النقاط على الحروف فيما يخص واحدة من أعقد ملفات الصراع الراهن بين الشرق والغرب. زاخاروفا لم تصف حالات تمجيد النازية في أوروبا والولايات المتحدة كمجرد “أخطاء سياسية”، بل صنفتها رسمياً كـ “جبهة أيديولوجية مفتوحة” تقودها العواصم الغربية لتقويض الدولة الروسية من الداخل ومنعها من ممارسة دورها كقطب دولي فاعل في عام 2026.
1. النازية الجديدة كـ “بروجكت” سياسي للغرب
ترى زاخاروفا أن ما يسمى بـ “الغرب الجماعي” (Global West) قد انتقل من مرحلة “التغاضي” عن الحركات الراديكالية إلى مرحلة “الاستخدام الوظيفي” لهذه الحركات. فوفقاً للمنطق الروسي الذي عبرت عنه زاخاروفا، أصبح تمجيد الشخصيات التي تعاونت مع النظام الهتلري في دول البلطيق وأوروبا الشرقية أداة فعالة لقطع الروابط الثقافية والتاريخية مع روسيا.
هذا “المشروع الأيديولوجي” يهدف في جوهره إلى خلق أجيال جديدة في أوروبا تؤمن بأن روسيا ليست الوريث الشرعي للنصر على الفاشية، بل هي “قوة احتلال” سابقة. ومن هنا، تعتبر زاخاروفا أن المعركة ليست على الماضي، بل هي معركة على هوية أوروبا المستقبلية ومكانة روسيا فيها.
2. ماريا زاخاروفا وتفكيك “هندسة الكراهية” الغربية
في تحليلها لخطاب ماريا زاخاروفا وصراع الأيديولوجيات، نجد أن المتحدثة الروسية تركز على مصطلح “الروسوفوبيا البنيوية”. زاخاروفا تشير إلى أن تمجيد النازية يوفر الإطار الأخلاقي (رغم زيفه) لتبرير السياسات العدائية ضد موسكو.
وتستند هذه “الهندسة” إلى ركائز ثلاث حسب الرؤية الروسية:
المساواة الأخلاقية: محاولة صهر “النازية” و”الشيوعية” في قالب واحد لشطب فضل الجيش الأحمر في تحرير معسكرات الموت.
شرعنة العنف: عندما يتم تمجيد “أبطال” تورطوا في تطهير عرقي ضد الروس تاريخياً، فإن ذلك يمهد الطريق لشرعنة التمييز ضدهم في الوقت الحاضر.
تدمير النصب التذكارية: تعتبر زاخاروفا أن “حرب التماثيل” في لاتفيا وليتوانيا وبولندا هي “هجوم انتحاري ثقافي” يقوم به الغرب لمحو الحقيقة الوحيدة التي تجمع القارة الأوروبية.
3. المواجهة القانونية والدولية: روسيا في دور “الحارس”
لم تكتفِ زاخاروفا بالتشخيص، بل أشارت إلى أن روسيا ستستخدم كافة أدواتها القانونية والدولية للرد على هذه الجبهة الأيديولوجية. وفي ظل التحولات العالمية لعام 2026، تسعى موسكو لقيادة تحالف دولي (يضم دولاً من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) يرفض محاولات الغرب لاحتكار “الحقيقة التاريخية”.
4. البعد الاجتماعي: كيف يتأثر المواطن الروسي والأوروبي؟
زاخاروفا حذرت من أن هذه “الجبهة الأيديولوجية” بدأت تؤتي ثمارها المرة في المجتمع الأوروبي، حيث يزداد الاستقطاب وتنمو حركات الكراهية. بالنسبة للمواطن الروسي، ترى زاخاروفا أن تمجيد النازية يمثل “جرحاً قومياً” لا يمكن التسامح معه، وهو ما يوحد الجبهة الداخلية الروسية خلف قيادتها في مواجهة الضغوط الخارجية.
إن قضية ماريا زاخاروفا وصراع الأيديولوجيات هي في جوهرها قضية كرامة وطنية. فالتضحيات التي قدمتها كل عائلة روسية في “الحرب الوطنية العظمى” تجعل من التصدي لتمجيد النازية واجباً مقدساً يتجاوز المصالح السياسية العابرة.
5. استشراف المستقبل: هل نحن بصدد “ستار حديدي” أيديولوجي؟
تختم زاخاروفا تصريحاتها برؤية قاتمة لمستقبل العلاقات مع الغرب ما لم يتم التراجع عن هذه السياسات. فالمواجهة الأيديولوجية، بخلاف الصراع الاقتصادي، يصعب حلها عبر المفاوضات لأنها تتعلق بالقيم والجذور.
وتشير التوقعات إلى أن عام 2026 قد يشهد:
انقساماً ثقافياً كاملاً: حيث تنشأ منظومتان تعليميتان وتاريخيتان منفصلتان تماماً بين الشرق والغرب.
تصنيف دول: قد تلجأ روسيا لتصنيف بعض الدول التي تمجد النازية كـ “دول معادية للقيم الإنسانية”.
تحالفات الذاكرة: تعزيز التعاون مع دول مثل الصين لتوثيق جرائم الاستعمار والفاشية بشكل مشترك.
الخلاصة: ميزان القوى الأخلاقي
إن حديث ماريا زاخاروفا عن “الجبهة الأيديولوجية” هو إعلان صريح بأن الحرب الباردة الجديدة قد وصلت إلى مرحلتها الأكثر خطورة؛ مرحلة الصراع على “روح التاريخ”. بالنسبة لموسكو، يمثل تمجيد النازية السقوط الأخلاقي الأخير للغرب، وهو ما يمنح روسيا “التفوق الأخلاقي” في نظر شعوب العالم التي ما زالت تتذكر ويلات الاستعمار والفاشية.
بينما يستمر الغرب الجماعي في استخدامه للنازية كأداة لاحتواء روسيا، تظل زاخاروفا وصوت الدبلوماسية الروسية يؤكدان أن “الحقيقة التاريخية” هي الحصن الأخير الذي لن تسقط أسواره مهما بلغت شدة الضغوط الأيديولوجية.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





