نافذة الفرصة: الأحزاب الفرنسية التاريخية تسعى للعودة إلى الصدارة السياسية

تسعى الأحزاب السياسية الفرنسية التقليدية جاهدةً لاستعادة نفوذها ومجدها السابق، في محاولة لإعادة تشكيل النظام الثنائي الذي طالما هيمن على المشهد السياسي لعقود، قبل صعود نجم الرئيس إيمانويل ماكرون. ومع انتهاء ولاية ماكرون، تبحث هذه الأحزاب عن فرصة للعودة إلى المشهد السياسي الذي تضاءل دورها فيه بشكل كبير.
من الهيمنة إلى التهميش: كيف دمر ماكرون النظام الثنائي؟
لعقود طويلة، اتسمت السياسة الفرنسية بنظام ثنائي مشابه لما هو موجود في الولايات المتحدة أو بريطانيا، حيث تناوب الحزب الاشتراكي (يسار الوسط) وحزب الجمهوريين (يمين الوسط) على السلطة في استقرار نسبي. لكن هذا الاستقرار اهتز بعنف في عام 2017 عندما ترشح إيمانويل ماكرون للرئاسة ببرنامج يدعم الاقتصاد الحر والحريات الاجتماعية، مستهدفًا الناخبين المعتدلين من مختلف الأطياف السياسية.
أدى انتصار ماكرون إلى هجرة جماعية للقيادات والناخبين من الحزبين التقليديين. انجذب الوسطيون إلى ماكرون، بينما اتجهت الأصوات الأكثر تطرفًا نحو قادة مثل مارين لوبان على أقصى اليمين، وجان-لوك ميلونشون على أقصى اليسار. بلغت ذروة هذا التهميش في انتخابات 2022 الرئاسية، حيث حصل الجمهوريون على أقل من 5% من الأصوات، وتدهور الاشتراكيون إلى 1.7% فقط، بينما وصلت لوبان إلى الجولة الثانية، واحتل ميلونشون المركز الثالث بفارق ضئيل.
الجمهوريون: بصيص أمل وتفاؤل بالعودة
رغم التراجع الحاد، بدأ حزب الجمهوريين يظهر علامات تعافٍ ملحوظة. فقد حقق الحزب انتصارًا مهمًا بفوز برونو ريتايو، وزير الداخلية المحافظ والشعبي، بزعامة الحزب، ما بث روحًا جديدة في صفوف المحافظين. كما استفاد الجمهوريون من قرار ماكرون غير المتوقع بالدعوة لانتخابات مبكرة العام الماضي، مما مكنهم من العودة للمشاركة في الحكومة. هذا الوجود الجديد منحهم منصة لإثبات قدرتهم على الحكم والتأثير، مما يغذي التفاؤل حاليًا بقدرتهم على استعادة مكانتهم كممثلين لقطاع واسع من ناخبي يمين الوسط.
الاشتراكيون: تحديات معقدة على طريق العودة
في المقابل، يواجه الحزب الاشتراكي تحديًا أكثر تعقيدًا في محاولته لاستعادة زعامة اليسار الفرنسي. يستعد أعضاء الحزب لانتخاب أمين عام جديد في اقتراع حاسم سيحدد مسار الحزب نحو انتخابات 2027. يقود نيكولا ماير-روسينيول، عمدة مدينة روان النورماندية، حملة طموحة لتولي قيادة الحزب.
يرى جيروم جيدج، النائب الاشتراكي البارز والداعم لماير-روسينيول، أن الهدف هو “إقامة مرشح اشتراكي، ثم التوجه إلى شركائنا على اليسار”. تعكس هذه الاستراتيجية سعي الحزب لاستعادة الزعامة اليسارية من ميلونشون دون إقصاء مؤيديه. وقد حقق الاشتراكيون مؤخرًا إنجازًا مهمًا عندما انضموا، بتردد، إلى ميلونشون في تحالف شامل لليسار فاجأ المؤسسة السياسية بفوزه في الانتخابات، ما منحهم أملًا جديدًا في إمكانية العودة إلى المقدمة.
معركة استعادة الناخبين: الرهانات العالية في 2027
مع بدء تشكل السباق لخلافة ماكرون، يسعى كلا المعسكرين لتنفيذ استراتيجيات متقنة لاستعادة الناخبين المفقودين. يعتقد مسؤول رفيع المستوى من الجمهوريين أن “جاذبية ماكرون مع مرور الوقت انحرفت بشكل كبير نحو ناخبي اليمين، وستحدث حتمًا إعادة تنظيم حيث يعود هؤلاء الناخبون بينما يتجه الباقي إلى الحزب الاشتراكي”.
لكن التحديات تبقى جسيمة. يواجه الاشتراكيون معضلة الإطاحة بميلونشون من زعامة اليسار دون خسارة قاعدته الجماهيرية الواسعة. أما الجمهوريون فيحتاجون للتغلب على المحافظين البارزين الذين انتقلوا إلى ماكرون ويستعدون الآن لحملاتهم الرئاسية الخاصة، مثل رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب ووزير العدل الحالي جيرالد دارمانين.
في تقييم واقعي للوضع، يوضح مسؤول حكومي أن “الأمر يتعلق بمن ينهار أولاً، فلا يوجد طريق لفيليب أو دارمانين بدون الجمهوريين”. هذا يكشف عن طبيعة المعركة السياسية المقبلة والرهانات العالية التي تحيط بمحاولة استعادة النظام الثنائي التقليدي في فرنسا قبل انتخابات 2027.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





