طوابير الإذلال: السيولة المفقودة تحوّل المصارف الليبية إلى بؤر غضب شعبي

الرواتب في الحسابات… والجوع يهدد الأبواب
في تناقض قاسٍ يجسد مأساة البلاد، يجد المواطن الليبي نفسه في قلب عاصفة مالية: حسابات مصرفية دائنة، وخزائن بنكية فارغة. اختفاء السيولة النقدية من المصارف الليبية أصبح ظاهرة يومية مؤلمة، وهو العامل الأبرز الذي أشعل شرارة غضب الليبيين العارم ضد المؤسسات المالية والسياسية.
الطوابير أمام المصارف لم تعد تجمعات عادية؛ إنها بؤر لليأس والإحباط. يقضي المواطنون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في البرد القارس، في محاولة يائسة لسحب جزء بسيط من رواتبهم المتأخرة أو معاشاتهم التقاعدية. هذا “الإذلال المصرفي” يهدد بتقويض ما تبقى من استقرار اجتماعي، محولاً الحق الأساسي في الوصول إلى المال الخاص إلى امتياز صعب المنال.
ثمن الانقسام: شلل في شرايين الحياة
ليست أزمة السيولة مجرد نقص في طباعة الأوراق النقدية، بل هي الثمن الباهظ لسنوات من الانقسام المؤسساتي وفقدان الثقة. عندما تتنازع سلطات نقدية متعددة وتغيب الشفافية، يصبح النظام المصرفي كلياً غير قادر على أداء وظيفته الأساسية وهي تدوير المال.
المشكلة تتجاوز المصرف نفسه لتطال جميع شرايين الحياة:
السوق السوداء تزدهر: يستغل سماسرة السوق السوداء حاجة الناس الملحة، فيشترون الشيكات المصرفية بخصومات كبيرة مقابل تسليم النقد المادي، مما يضاعف خسائر المواطنين.
عجز المتقاعدين: الفئة الأكثر تضرراً هم كبار السن الذين يعتمدون كلياً على النقد لدفع فواتيرهم وشراء الأدوية، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الصمود في طوابير السحب.
تجميد الاستثمار: يمتنع الأفراد عن إيداع أموالهم في المصارف خوفاً من عدم القدرة على سحبها لاحقاً، مما يؤدي إلى اكتناز هائل للأموال في المنازل وتجميد رؤوس الأموال الصغيرة.
الصرخة الليبية الحالية هي دعوة للعدالة المالية. لا يمكن للمواطن أن يستمر في تحمل تكلفة صراعات السياسيين وتراخي المؤسسات. الحل يتطلب توحيداً حقيقياً وفعالاً للجهات المالية، وتأميناً لضخ منتظم للعملة الوطنية، والأهم من ذلك، استعادة سريعة للثقة المفقودة بين المواطن والمصرف.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





