الشلل الرخو الحاد: تهديد فتاك يفتك بأطفال غزة وسط ظروف قاسية

يتفشى مرض “الشلل الرخو الحاد” (AFP)، وهو مرض نادر يشبه شلل الأطفال، بوتيرة مقلقة في قطاع غزة. لكن ما يزيد من خطورته هو قدرته على إصابة الجهاز التنفسي، مما يجعله قاتلاً. يُعزى هذا الانتشار المتزايد بشكل مباشر إلى تفاقم سوء التغذية والظروف المعيشية المتردية الناجمة عن الحصار المستمر على القطاع.
لم يعد سوء التغذية في غزة مجرد مشكلة صحية عابرة؛ فقد أصبح بوابة لظهور أمراض خطيرة تستهدف الفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال. يؤثر الشلل الرخو الحاد على أعصاب الأطفال، مسبباً فقدانهم القدرة على الحركة، وتتفاقم المخاطر في ظل انهيار المنظومة الصحية ونقص حاد في سبل التشخيص والعلاج.
ارتفاع قياسي في الإصابات ونقص فادح في الإمكانيات الطبية
قبل العدوان الإسرائيلي المتواصل، كانت حالات الشلل الرخو الحاد نادرة، حيث كان يُسجل عادةً حالة واحدة سنوياً. لكن الأوضاع الكارثية الناتجة عن العدوان والحصار، بما في ذلك الانهيار التام للمنظومة الصحية، وانعدام الأمن الغذائي، وتلوث المياه، وتراكم النفايات، حولت هذا المرض إلى كابوس يطارد عشرات العائلات الفلسطينية.
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة عن تسجيل 45 إصابة جديدة بالشلل الرخو الحاد خلال شهري يونيو ويوليو الماضيين، وهو ارتفاع غير مسبوق يتزامن مع غياب القدرة على التشخيص الدقيق. أرجعت الوزارة هذا الارتفاع إلى الظروف البيئية والصحية المدمرة، بالإضافة إلى سوء التغذية الذي يضعف مناعة الأطفال.
قصص إنسانية مؤلمة: أطفال يدفعون الثمن
يهاجم الشلل الرخو الحاد الأعصاب الطرفية، ويبدأ عادةً بضعف في الأطراف السفلية ثم ينتقل إلى كامل الجسم، بما في ذلك الجهاز التنفسي، مما قد يؤدي إلى الوفاة إذا لم يُعالج في الوقت المناسب. يضيف هذا المرض تهديداً خطيراً يضاف إلى الأخطار التي تزداد مع استمرار ممارسات التجويع والحصار المطبق على سكان غزة، والذي تضاعف منذ الثاني من مارس الماضي بإغلاق المعابر ومنع إدخال المواد الغذائية والأدوية.
- لارا البطران (8 سنوات): ترقد لارا منذ أكثر من 37 يوماً في قسم العناية المركزة بمستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال في غزة، وهي عاجزة عن الحركة وموصلة بجهاز تنفس اصطناعي. تصف والدتها منار حالتها بقولها: “كانت لارا تلعب وتضحك، لكن أوضاعها تدهورت فجأة. الأطباء يصنفون حالتها بـ ‘الخطيرة’ وتحتاج إلى تشخيص دقيق بواسطة أجهزة متخصصة غير متوفرة في غزة، وتنتظر تحويلها للعلاج في الخارج.”
- صهيب أبو هربيد (8 سنوات): أصيب الطفل صهيب بالمرض الخطير، ويقول والده صدام: “كان يجري ويلعب ويملأ البيت حياة. قبل نحو 40 يوماً، اشتكى من أنه لا يشعر بساقيه. في اليوم التالي تفاقمت الأعراض، واكتشف الأطباء أنه يعاني من شلل رخو حاد وسوء تغذية شديد، فقد على إثره تسعة كيلوغرامات من وزنه.” تعيش عائلة أبو هربيد في خيمة نزوح، وطفلهم يحتاج إلى علاج طبيعي يومي وغذاء خاص لا يمكنهم توفيره.
وتتكرر هذه المعاناة مع أطفال آخرين مثل أسيل رامي سعد (10 سنوات) وأُبي (8 سنوات)، الذين يعانون من نفس المرض ويتطلبون رعاية خاصة وتغذية غير متوفرة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها كنازحين.
تحذيرات طبية عاجلة من كارثة وشيكة
يؤكد الدكتور محمد حجو، رئيس قسم العناية المركزة في مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال، أن قطاع غزة يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في مرض الشلل الارتخائي الحاد الذي يصيب الجهاز العصبي وقد يؤدي إلى شلل تدريجي يصل إلى عضلات التنفس. ويضيف حجو أن صعوبة التشخيص الدقيق بسبب غياب أجهزة مثل الرنين المغناطيسي، ونقص الإمكانيات الطبية مثل أسرة العناية المركزة وأجهزة التنفس، وغياب العلاجات المتقدمة، كلها عوامل تزيد من معاناة المرضى. ويشدد على أن سوء التغذية المنتشر يضعف المناعة ويزيد من خطر الإصابة وتفاقم الأعراض، مطالباً بفتح المعابر بشكل عاجل لإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود لتشغيل الأجهزة، محذراً من كارثة صحية لا يمكن السيطرة عليها إذا استمر الوضع الراهن.
بدوره، يحذر الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي بخانيونس، من التزايد المطرد في حالات الشلل الرخو الحاد، مشيراً إلى تسجيل 72 إصابة منذ بداية عام 2024، منها 32 إصابة لأطفال دون الخامسة عشرة. ويوضح الفرا أن العلاج الأمثل، وهو دواء “مينوغلوبين” المناعي أو تنقية البلازما، غير متوفر حالياً في غزة بسبب منع الاحتلال إدخالهما. ويبين أن المرض يرتبط بضعف المناعة الناتج عن سوء التغذية وشرب المياه غير النظيفة، وقد تبدأ العديد من الحالات بعد نزلات معوية أو فيروسية.
سجلت مستشفيات قطاع غزة 122 وفاة ناتجة عن المجاعة وسوء التغذية منذ بداية العدوان. وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن أكثر من مليون طفل يعانون سوء تغذية حاداً في القطاع، مع غياب الغذاء وشح المياه وتدهور المنظومة الصحية.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





