ستار الختام على “الرجل القوي”: وفاة رفعت الأسد في دمشق

ستار الختام على “الرجل القوي”: وفاة رفعت الأسد في دمشق.. أسرار نصف قرن من الدم والنفي وصراع الإخوة.. وهل ماتت معه أسرار مجزرة حماة؟
رفعت الأسد.. رحيل “القائد” الذي طارده التاريخ وسكنه حلم العرش
المقدمة: الموت في عرين الأسد
لم تكن وفاة رفعت الأسد في دمشق مجرد خبر وفاة عابر لشخصية سياسية سابقة، بل هي الخاتمة لملحمة تراجيدية سياسية بدأت قبل أكثر من خمسة عقود. الرجل الذي كان يوماً ما “الرجل الثاني” والأكثر رعباً في سوريا، فارق الحياة في يناير 2026 عن عمر ناهز 88 عاماً، ليدفن في تراب الوطن الذي غادر مطروداً منه لثلاثة عقود ونصف. رحل رفعت الأسد تاركاً خلفه إرثاً ثقيلاً من الدماء، الصراعات العائلية، والإمبراطوريات المالية المشبوهة، ليغلق بموته صندوق الأسرار الأسود لحقبة الثمانينيات الدامية.
أولاً: “سرايا الدفاع”.. القبضة التي حكمت دمشق
في مطلع السبعينيات، أدرك رفعت الأسد أن البقاء في قمة السلطة يتطلب أكثر من مجرد كونه شقيق الرئيس حافظ الأسد؛ فتولى تأسيس “سرايا الدفاع عن الثورة”:
الجيش الموازي: لم تكن السرايا مجرد وحدة عسكرية، بل كانت جيشاً عقائدياً مدججاً بأحدث الأسلحة، يتلقى أوامره مباشرة من رفعت، وكانت مهتمها الأساسية “حماية النظام” من أي انقلاب داخلي.
السطوة الأمنية: تحولت السرايا إلى دولة داخل الدولة، حيث سيطر رجال رفعت على مفاصل الحياة في دمشق، وأصبح اسمه يثير الرعب في قلوب المعارضين والمؤيدين على حد سواء.
ثانياً: فبراير 1982.. الجرح الذي لم يندمل
يبقى اسم رفعت الأسد ملتصقاً بمدينة حماة. في تلك السنة، قاد رفعت القوات التي حاصرت المدينة لقمع تمرد “الإخوان المسلمين”:
سياسة الأرض المحروقة: استمرت العمليات العسكرية لأسابيع، وأدت إلى تدمير أجزاء واسعة من المدينة التاريخية وسقوط آلاف القتلى (تتراوح التقديرات بين 10 إلى 40 ألف ضحية).
الإرث الدموي: منذ ذلك الحين، لُقب رفعت في المحافل الدولية بـ “جزار حماة”، وأصبحت هذه المجزرة هي الوصمة التي طاردته في كل المحاكمات الدولية التي واجهها لاحقاً في أوروبا.
ثالثاً: “انقلاب 1984”.. حينما تصادم الإخوة
كانت اللحظة الفارقة في حياة رفعت هي محاولته الانقضاض على السلطة أثناء مرض شقيقه حافظ بمرض قلبي:
المواجهة الكبرى: نشر رفعت دباباته وصوره في شوارع دمشق، بينما تصدى له قادة الجيش الموالون لحافظ والعميد مصطفى طلاس.
دموع الأخ: يروي التاريخ السوري أن المواجهة انتهت بزيارة تاريخية لحافظ الأسد إلى منزل رفعت، حيث قيل إن حافظ قال له: “تريد العرش؟ هذا هو، لكنه سيكون على جثتي”. انتهت الأزمة بتسوية قضت بنفي رفعت بـ “طائرة محملة بالأموال” ليعيش في المنفى كـ “نائب رئيس مع وقف التنفيذ”.
رابعاً: المنفى الذهبي والملاحقات القضائية
قضى رفعت أكثر من 36 عاماً في أوروبا، متنقلاً بين قصور باريس وماربيلا الإسبانية ولندن:
الإمبراطورية العقارية: أثار بذخ رفعت دهشة السلطات الأوروبية، حيث امتلك مئات العقارات الفارهة.
مقصلة القضاء: في عام 2020، أدانه القضاء الفرنسي بتهمة “غسيل الأموال” واختلاس أموال عامة سورية، وحُكم عليه بالسجن، وهو ما مهد الطريق لعودته المفاجئة لدمشق هرباً من السجن في فرنسا.
خامساً: العودة الأخيرة.. نهاية الرحلة
في عام 2021، عاد رفعت إلى سوريا في صفقة وُصفت بـ “العائلية الإنسانية”:
تحت ظلال ابن أخيه: عاش رفعت سنواته الخمس الأخيرة في دمشق بصفة “مواطن مكرّم” ولكن معزول سياسياً تماماً. لم يظهر في أي فعالية رسمية، واقتصر ظهوره على صورة وحيدة جمعته بأفراد العائلة (بشار وماهر وبشرى الأسد) ليعلن من خلالها “وحدة الصف العائلي”.
الرحيل الهادئ: توفي رفعت في منزله بدمشق نتيجة مضاعفات الشيخوخة، بعيداً عن صخب السياسة الذي ميز حياته، لتتم مراسم دفنه في جنازة عائلية ضيقة.
سادساً: الدروس المستفادة من سيرة رفعت الأسد
السلطة الزائلة: تظهر سيرة رفعت أن القوة العسكرية الغاشمة قد تمنح السطوة لسنوات، لكنها لا تضمن الولاء ولا تحمي من غدر الزمن أو النفي.
عدالة التاريخ: رغم إفلاته من العقاب القضائي عن مجزرة حماة، إلا أن “المحاكمة التاريخية” والسمعة الدولية لاحقت اسمه حتى أنفاسه الأخيرة.
ترابط العائلة: برهنت عودته لدمشق أن “عصبية العائلة” لدى آل الأسد تتجاوز الخلافات السياسية والانقلابات، طالما أن مصلحة “بقاء النظام” تقتضي ذلك.
الخاتمة: دمشق بلا “سرايا الدفاع”
بوفاة رفعت الأسد، تُغلق سوريا فصلاً دامياً من تاريخها الحديث. رحل الرجل الذي أراد أن يكون ملكاً، ليموت في ظل الملك الذي لم يستطع انتزاعه. سيبقى رفعت الأسد في ذاكرة السوريين رمزاً للحقبة التي صهرت السياسة بالدم، والمال بالمنفى. رحل “العم”، وبقيت الملفات مفتوحة أمام محكمة التاريخ التي لا تموت بوفاة أبطالها.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!


