إستراتيجية “بسط السيادة”: لبنان يترقب المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح
نحو جغرافيا أمنية جديدة: من الليطاني إلى الأولي

في لحظة فارقة من تاريخ لبنان الحديث، وفي ظل تجاذبات إقليمية ودولية غير مسبوقة، تبرز قضية “سلاح الدولة” كأولوية قصوى على طاولة القرار الرسمي. جاءت تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، لتقطع الشك باليقين بشأن جدية الدولة في المضي قدماً نحو استعادة زمام المبادرة الأمنية. إعلان سلام عن استعداد الجيش اللبناني لإطلاق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح ليس مجرد إجراء فني عسكري، بل هو رسالة سياسية بامتياز، تهدف إلى إعادة ثقة المجتمعين المحلي والدولي في قدرة المؤسسات الشرعية على ضبط الإيقاع الأمني فوق كامل التراب الوطني.
المرحلة الثانية: الجغرافيا والأهداف
تكتسب المرحلة الثانية من هذه الخطة أهمية استثنائية نظراً للنطاق الجغرافي الذي تستهدفه؛ فهي تمتد من ضفتي نهر الليطاني جنوباً وصولاً إلى نهر الأولي شمالاً. هذه المنطقة، التي عانت طويلاً من تداخل الصلاحيات الأمنية وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، تُعد الآن حجر الزاوية في مشروع “حصر السلاح”.
إن تركيز الجيش على هذه المنطقة يهدف إلى:
تثبيت مفهوم السلطة الواحدة: إنهاء المظاهر المسلحة غير الشرعية وتأكيد أن الجيش هو القوة الوحيدة المخولة بحمل السلاح وتطبيق القانون.
تأمين العمق الجنوبي: خلق حزام أمني شرعي يربط بين مناطق القرار المركزي والحدود، مما يقلل من فرص الاحتكاك أو الفوضى المسلحة.
تعزيز السلم الأهلي: طمأنة المكونات اللبنانية كافة بأن الدولة هي الحامية الوحيدة للجميع، بعيداً عن منطق “الأمن الذاتي” أو الميليشياوي.
التحديات اللوجستية والسياسية
لا يمكن قراءة خطة حصر السلاح بمعزل عن التحديات الضخمة التي تواجه المؤسسة العسكرية. فالجيش اللبناني، رغم الإجماع الوطني حوله، يواجه أزمة اقتصادية حادة تؤثر على إمكانياته اللوجستية. ومع ذلك، تأتي تصريحات رئيس الحكومة لتؤكد أن القرار السياسي قد اتُخذ، وأن الغطاء الوطني للمؤسسة العسكرية بات مؤمناً بشكل لم يسبق له مثيل.
على الصعيد السياسي، تتطلب هذه المرحلة تنسيقاً عالياً بين الأجهزة الأمنية والقوى السياسية الفاعلة في المنطقة المستهدفة. إن نجاح الجيش في حصر السلاح بين الليطاني والأولي سيمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام القوى اللبنانية بالقرار الدولي 1701 والقرارات السيادية الداخلية التي تطالب بحصر السلاح في يد القوى الشرعية فقط.
الدلالات الإقليمية والدولية
يواجه لبنان ضغوطاً دولية مستمرة للقيام بإصلاحات بنيوية في القطاع الأمني. تصريحات نواف سلام تضع لبنان في موقع “المبادر” أمام المجتمع الدولي، حيث تسعى الحكومة لإثبات أن الدولة اللبنانية قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية إذا ما توفرت لها الموارد والدعم اللازمين. إن بسط سيادة الجيش في منطقة حساسة كمنطقة الليطاني والأولي يبعث برسائل طمأنة للدول المانحة وللأمم المتحدة، بأن لبنان جاد في مسار بناء الدولة القوية.
رؤية مستقبلية: ما بعد “الأولي”
إن حصر السلاح ليس مجرد عملية جمع للعتاد، بل هو بناء ثقافة “الدولة” في أذهان المواطنين. إذا نجحت المرحلة الثانية، فإنها ستكون التمهيد الطبيعي للمراحل التالية التي يجب أن تشمل كافة الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المخيمات والمناطق الحدودية الوعرة. رئيس الحكومة، عبر تأكيده على جاهزية الجيش، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار المستدام، حيث يصبح السلاح أداة لحماية الحدود والداخل تحت مظلة القانون، وليس وسيلة للضغط السياسي أو الترهيب الأمني.
خاتمة المقال
يبقى الرهان اليوم على “البزة المرقطة” للجيش اللبناني وقدرتها على تجاوز الألغام السياسية. إن انتقال الجيش إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بين الليطاني والأولي يمثل بارقة أمل للبنانيين الحالمين بدولة المؤسسات. إنها معركة السيادة الصامتة التي يقودها الجيش بدعم من الحكومة، لتثبيت حقيقة واحدة: لا سلاح يعلو فوق سلاح الشرعية، ولا سلطة فوق سلطة القانون.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





