خوارزميات الجوع.. كيف سحب “تيك توك” البساط من الأطباء ليصبح المحرك الأول لشهية الأجيال الجديدة؟

خوارزميات الجوع.. كيف سحب “تيك توك” البساط من الأطباء ليصبح المحرك الأول لشهية الأجيال الجديدة؟
نيويورك – وكالات في عصر السرعة الرقمية، لم تعد النصيحة الطبية هي المحرك الأساسي لثقافة الطعام لدى الشباب، بل تحولت شاشات الهواتف الذكية إلى “مختبرات تغذية” مفتوحة يقودها المؤثرون. كشفت أحدث الدراسات الاجتماعية أن منصة “تيك توك” لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى “سلطة غذائية” عليا تحدد ما يوضع في أطباق الشباب وما يُستبعد منها، متجاوزة بذلك عقوداً من الدراسات العلمية الرصينة.
تأثير الفيديوهات القصيرة على “سلوك المائدة”
وفقاً لتحليل أجراه الباحث أرتور سترتسيليكي من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد، فإن الاتجاهات (Trends) التي تظهر في فيديوهات “تيك توك” القصيرة تمتلك قوة ناعمة قادرة على توجيه الشباب نحو مطاعم بعينها أو تبني وصفات طعام محددة بمجرد رؤيتها في سياق جذاب بصرياً.
ويشير سترتسيليكي إلى أن جيل الشباب بات يشعر بضرورة جعل عاداته اليومية، وخاصة الغذائية، متناغمة مع ما يراه على المنصة، خوفاً من “فوات الشيء” أو رغبةً في محاكاة أساليب حياة المؤثرين الذين يمثلون بالنسبة لهم “القدوة العصرية”.
سحر الخوارزمية.. عندما يمتزج الإعلان بالوصفة
أوضحت دراسة معمقة نُشرت في “المجلة الدولية لدراسات المستهلك” أن نجاح “تيك توك” في تغيير عادات الأكل لا يعود للصدفة، بل إلى “الخوارزميات الذكية” التي تدرس سلوك المستخدم بدقة متناهية. هذه الخوارزميات تضع في واجهة المستخدم مقاطع لمؤثرين يروجون لمنتجات غذائية أو مطاعم مقابل أجور إعلانية، لكنها تُقدم في إطار “نصيحة شخصية” أو “تجربة عفوية”، مما يضعف المناعة النقدية لدى المستهلك الشاب.
من جهته، يرى الباحث برونو لوريو في كتابه “تاريخ علم التغذية” أن نصائح التغذية المعاصرة باتت محاطة بـ “هالة من القلق”، حيث يجد المستخدم نفسه تائهاً بين فيض من المعلومات المتناقضة التي يقدمها قادة الرأي الجدد، والذين غالباً ما يفتقرون للخبرة الطبية لكنهم يمتلكون أدوات الإقناع البصري.
تيك توك.. التحدي الزمني والسيطرة المطلقة
لم تتوقف السيطرة عند نوعية الطعام، بل امتدت لتشمل الوقت المخصص للاستهلاك الرقمي. وتكشف بيانات منصة “بلايرزتايم” (Playerstime) أرقاماً تثير قلق المتخصصين في التربية والصحة:
الهيمنة الزمنية: يقضي المستخدم العادي على “تيك توك” ما معدله 97 دقيقة يومياً، وهو رقم يتجاوز بكثير الوقت الذي قد يقضيه الفرد في قراءة نصيحة طبية أو إعداد وجبة صحية متوازنة.
المنافسة: يأتي “يوتيوب” في المرتبة الثانية بمعدل 85 دقيقة، مما يؤكد أن المحتوى البصري هو الملك المتوج على عرش التأثير السلوكي حالياً.
الخلاصة: نحو وعي غذائي رقمي
أمام هذا المد الجارف من “الوصفات العصرية” والترويج المستمر للوجبات السريعة أو الحميات القاسية التي يروج لها المشاهير، يحذر خبراء التغذية من انسياق الشباب خلف هذه الموجات دون وعي بالنتائج الصحية بعيدة المدى. فالمعركة اليوم لم تعد بين “الجوع والشبع”، بل بين “الحقيقة العلمية وجاذبية الخوارزمية”.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





