تغيير المسار: زيلينسكي يعترف بضرورة “الواقعية” في مفاوضات السلام تحت ضغط واشنطن والميدان

يشير التواصل المكثف بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وواشنطن، مصحوباً بتمسكه بخطوات “واقعية” للسلام، إلى تحول جوهري في استراتيجية كييف لإنهاء الحرب. هذا التغير في النبرة، من الإصرار المطلق على الشروط المسبقة إلى القبول بمسار أكثر براغماتية، يعكس اعترافاً بالتحديات الجسيمة التي تواجهها أوكرانيا في هذه المرحلة من الصراع.
“الواقعية” هي الكلمة المفتاح هنا، وهي تعني إدراك القيادة الأوكرانية لثلاثة عوامل ضاغطة رئيسية: تزايد الضغوط العسكرية الروسية، وتضاؤل اليقين بشأن الدعم الغربي المستقبلي، وحاجة واشنطن نفسها إلى إظهار وجود مسار دبلوماسي ملموس يبرر استمرار المساعدات.
ثلاثة أسباب وراء التحول نحو الواقعية
1. الحاجة لضمان الدعم الأمريكي
تعتبر الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للدعم العسكري والمالي لأوكرانيا. مع تزايد الخلافات في الكونغرس حول حزم المساعدات، فإن إظهار زيلينسكي للمرونة في البحث عن السلام يخدم هدفين:
إرضاء المترددين: يقنع المشرعين الأمريكيين المترددين بأن الدعم العسكري لأوكرانيا لا يهدف إلى حرب لا نهاية لها، بل لتقوية موقف كييف على طاولة التفاوض.
تجنب الإرهاق الدبلوماسي: إظهار كييف كطرف يسعى بجدية للسلام يجنبها اتهامات “التعنت” التي قد تظهر بين بعض الحلفاء.
2. الحقائق القاسية على خطوط القتال
على المستوى العسكري، لم يتمكن الجيش الأوكراني من تحقيق الاختراق المطلوب في الهجوم المضاد الأخير. وهذا الواقع الميداني يحتم إعادة تقييم:
الموارد المستنفدة: استنزاف الموارد البشرية والمادية يتطلب تثبيت الجبهات والبحث عن حلول سياسية لإعادة بناء القوة.
مخاطر الانهيار: استمرار الحرب دون مكاسب كبيرة يعرض أجزاء أخرى من البلاد لخطر التقدم الروسي، مما يجعل الحل الدبلوماسي في هذه اللحظة أقل كلفة على المدى الطويل.
3. مفهوم “الخطوات الواقعية” على الطاولة
التركيز على “الواقعية” يشير إلى أن كييف قد تكون مستعدة للنظر في:
مفاوضات مرحلية: بدلاً من شرط الانسحاب الكامل كخطوة أولى، يمكن أن تركز “الواقعية” على تبادل الأسرى، أو فتح ممرات إنسانية، أو ترتيبات لوقف إطلاق نار محلي كـ مرحلة بناء ثقة.
ترتيبات أمنية دولية: قد تقبل أوكرانيا بضمانات أمنية ملزمة من حلفاء دوليين كبديل مؤقت (أو دائم) لعضوية الناتو.
إن لغة زيلينسكي الجديدة هي اعتراف بأن الدبلوماسية لا يمكن فصلها عن الجغرافيا السياسية والعسكرية. “الواقعية” هنا هي الأداة التي تستخدمها كييف لضمان بقائها واستمرار دعم حلفائها في خضم حرب استنزاف طويلة.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





