“اقتصاد الدم”: جنود الاحتياط الإسرائيليون والمكاسب المالية وتهديد نموذج الجيش

كشف تقرير لصحيفة “هآرتس” العبرية عن ظاهرة متنامية في إسرائيل، حيث يتطوع أعداد كبيرة من الشباب للخدمة الاحتياطية في جيش الاحتلال، ليس بدافع وطني فقط، بل كبديل مالي مغرٍ عن العمل في السوق المدني. فالمستفيدون من هذه الخدمة يحصلون على مرتبات مضمونة وامتيازات لا تتوفر للمواطنين العاديين.
الخدمة الاحتياطية كفرصة عمل مجزية
يشير التقرير إلى وجود “عالم واسع” من مجموعات “واتساب” حيث يتم البحث عن فرص للخدمة الاحتياطية. تُعرض على المتطوعين وظائف متنوعة، مثل ثلاث نوبات أسبوعيًا، مدة كل منها 12 ساعة، مع البقاء على أهبة الاستعداد طوال الأسبوع التالي. اللافت أن الجنود غالبًا ما يتلقون المبلغ كاملاً حتى لو لم يتم استدعاؤهم للعمل الفعلي أثناء فترة الاستعداد. يمكن أن تشمل طبيعة العمل أي شيء، من الدوريات في الضفة الغربية إلى مهام غرف العمليات العسكرية أو العمل الاستخباراتي.
تحذر “هآرتس” من أن هذا “النوع الجديد من اقتصاد العمل العسكري المؤقت يهدد نموذج الاحتياط الذي اعتمده الجيش الإسرائيلي لعقود”.
الحرب كفرصة دخل ومخاطر على الفعالية القتالية
يوضح التقرير أن بعض جنود الاحتياط عملوا أثناء الحرب لعدة أيام في الأسبوع، بالتوازي مع وظائفهم المدنية أو دراستهم. وهناك من يتنقلون بين الكتائب أو يأتون للمساعدة في الدوريات مرة كل أسبوعين فقط.
تختلف دوافع التطوع لمئات الأيام من الخدمة الاحتياطية، لكن بالنسبة للشباب الذين لم يندمجوا بعد بشكل كامل في سوق العمل، يمثل هذا حلًا مؤقتًا مربحًا. يحق للجندي الحصول على منحة بعد عدد معين من أيام الخدمة الاحتياطية، مما يجعلها خيارًا جذابًا.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن الاعتماد على هؤلاء الجنود المؤقتين قد يضعف من فعالية الكتيبة القتالية. فوجود جندي احتياطي لم يلمس دبابة منذ ثماني سنوات، على سبيل المثال، يخفض المستوى المهني للوحدة، لكن يتم الإبقاء عليه “ليتمكن الآخرون من أخذ إجازة”.
التكلفة الاقتصادية الباهظة
الأرقام تكشف حجم الأعباء المالية: استدعاء جندي عازب يتقاضى الحد الأدنى للأجور يكلف خزينة الدولة 15,250 شيكلًا (حوالي 4,550 دولارًا أمريكيًا) شهريًا. وفي المتوسط، يكلف استدعاء جندي احتياط 29,000 شيكل شهريًا.
وفقًا للعميد احتياط ريم عمينواش، المستشار المالي السابق لرئيس أركان جيش الاحتلال والمدير الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، يكلف كل يوم منذ بدء الهجوم على غزة في مايو إسرائيل 80 مليون شيكل مقابل أيام الخدمة الاحتياطية وحدها.
أزمة الموارد وتحدي العقيدة الأمنية
تؤكد “هآرتس” أن “خدمة الاحتياط أصبحت أكثر فأكثر المكان المناسب للأشخاص الذين يجدون فيها ربحًا ماليًا. وهذا وضع غير صحي تسعى الحكومة إلى معالجته بإنفاق مبالغ طائلة”. تكمن المشكلة في الفجوة بين الوضع الراهن وعقيدة الأمن القومي الإسرائيلي الأصلية، التي تفترض حروبًا سريعة الزوال لا تُفصل فيها جنود الاحتياط عن وظائفهم لفترات طويلة.
يؤكد أحد خبراء معهد الأمن القومي أن نموذج خدمة الاحتياط لم يُصمَّم لحالة يقضي فيها الأفراد مئات الأيام في الخدمة سنويًا. ويوضح أن الجيش الإسرائيلي “معتاد على خوض الحروب دون تخطيط اقتصادي. فهو يقاتل أولًا ثم يحسب الأموال لاحقًا”. لكن هذا النهج لا ينطبق إلا على الحروب القصيرة، “وبالتأكيد ليس على الحروب التي تستمر عامين”. ويشدد الخبير على أنه “كما لا يمكنكم إطلاق قذيفة لا تملكونها، لا يمكنكم استخدام جندي احتياطي لا تملكونه”، مؤكدًا أن إسرائيل تخوض هذه الحرب كما لو أنها لا تعاني من مشكلة موارد، لكنها تعاني منها بالفعل.
تحديات الأجيال الجديدة: الألفية والجيل Z
يشير التقرير إلى ضرورة التفكير بجدية في تعديل نموذج الخدمة الاحتياطية في جيش الاحتلال ليتناسب مع أجيال مختلفة من الجنود. تنقل عالمة الاجتماع نوا لافي، الخبيرة في شؤون الشباب، أن الاتجاهات الحالية في الخدمة الاحتياطية تتوافق مع “ميل الشباب في جيلي الألفية وZ إلى العمل المؤقت، أو أن يكونوا ‘مقاتلين’ يتمسكون بوظيفتين أو أكثر”.
بالنسبة للعديد من الشباب الإسرائيلي اليوم، تُعتبر الخدمة الاحتياطية بمثابة وظيفة “جيدة جدًا، حيث يكسبون دخلًا أعلى، كما أنها تمنحهم مكانة اجتماعية مرموقة”. هذا التحول يفرض تحديات كبيرة على الجيش الإسرائيلي في الحفاظ على كفاءة قوات الاحتياط وتجنيدها في المستقبل.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





