منوعاتأخبار العالماخر الاخباراوروباحروبعاجل

 حين غدرت مدافع بريطانيا بالحليف الفرنسي فوق التراب الجزائري.. أسرار عملية “المنجنيق”

 حين غدرت مدافع بريطانيا بالحليف الفرنسي فوق التراب الجزائري.. أسرار عملية “المنجنيق”

المقدمة: يوم اشتعلت مياه وهران

في صباح الثالث من يوليو عام 1940، كانت مياه ميناء المرسى الكبير في وهران بالجزائر على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات دراماتيكية في التاريخ العسكري الحديث. فبينما كان البحارة الفرنسيون يعتقدون أنهم في مأمن بعيداً عن جحيم النازية في أوروبا، ظهرت البوارج البريطانية على الأفق، ليس لتقديم الدعم، بل لتوجيه ضربة قاصمة حطمت كبرياء البحرية الفرنسية وأسالت دماء الحلفاء في مشهد تراجيدي لا يزال يثير الجدل.


الخديعة المرة: لماذا ضرب تشرشل رفاق السلاح؟

لم يكن الهجوم البريطاني نابعاً من عداء مباشر للشعب الفرنسي، بل كان نتيجة “حسابات باردة” أجراها رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. فبعد استسلام فرنسا لألمانيا، أصبح الأسطول الفرنسي الراسي في الجزائر يمثل تهديداً وجودياً لبريطانيا إذا ما استولى عليه هتلر.

كان تشرشل يؤمن بمبدأ واحد: “لا ثقة في الوعود النازية”. ورغم تأكيدات القادة الفرنسيين بأن سفنهم لن تقع في يد الألمان، إلا أن بريطانيا قررت تنفيذ “عملية المنجنيق” (Operation Catapult) لشل حركة الأسطول الفرنسي نهائياً.


تفاصيل “الإنذار الأخير” على شواطئ الجزائر

أرسلت بريطانيا “القوة H” البحرية إلى قبالة سواحل وهران، وحملت الأدميرال الفرنسي مارسيل جانسول خيارات مستحيلة: إما الانضمام للبريطانيين، أو الإبحار إلى أمريكا، أو إغراق السفن.

رفض الأدميرال الفرنسي ما اعتبره “إملاءات مهينة” من حليف خان العهد، وقرر المواجهة. وفي تمام الساعة 5:54 مساءً، انطلقت أول قذيفة بريطانية لتحول الميناء الجزائري الهادئ إلى قطعة من الجحيم.


المذبحة بالارقام: خسائر فادحة بنيران صديقة

كان الهجوم البريطاني خاطفاً ومركزاً، واستغل ضيق الميناء الجزائري الذي لم يسمح للسفن الفرنسية بالمناورة:

  • البارجة بريتاني (Bretagne): انفتحت فيها النيران وغرقت في دقائق، حاملة معها 977 بحاراً إلى القاع.

  • البارجة دانكيرك (Dunkerque): أصيبت بأضرار بالغة وجنحت بعد قصف عنيف.

  • الحصيلة البشرية: لقي 1297 بحاراً فرنسياً مصرعهم، وأصيب مئات آخرون، في أكبر خسارة تتعرض لها البحرية الفرنسية في يوم واحد، والمفارقة أنها كانت على يد “الحليف”.


لماذا الجزائر؟ الأهمية الاستراتيجية للمرسى الكبير

كان ميناء المرسى الكبير بوهران يعتبر جوهرة القواعد البحرية في شمال أفريقيا. موقعه الحصين ومرافقه المتطورة جعلته المركز الرئيسي للأسطول الفرنسي في المتوسط. بالنسبة لبريطانيا، كان بقاء هذه القوة العسكرية “المحايدة” في الجزائر خطراً لا يمكن تحمله، لأن السيطرة على وهران تعني السيطرة على خطوط الإمداد الحيوية في البحر المتوسط.


ما بعد الكارثة: شرخ في جدار الحلفاء

تسببت هذه الواقعة في نتائج سياسية واجتماعية عميقة:

  1. بروباجندا فيشي: استغلت الحكومة الفرنسية الموالية لألمانيا الواقعة لتصوير بريطانيا كـ”عدو غادر”، مما أضعف شعبية المقاومة الفرنسية (ديجول) لفترة من الزمن.

  2. رسالة للعالم: أثبت تشرشل للعالم وللولايات المتحدة تحديداً أن بريطانيا لن تتوقف عند أي حد أخلاقي أو دبلوماسي لضمان عدم انتصار هتلر.

  3. غصة تاريخية: ظلت “معركة المرسى الكبير” نقطة سوداء في تاريخ العلاقات البريطانية الفرنسية، ووصفها ديجول بأنها “ضربة خنجر في الظهر”.


الخلاصة: عندما تسحق المصالح المشاعر

تظل واقعة تدمير الأسطول الفرنسي بالجزائر شاهداً على قسوة الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن هناك مكان للمشاعر أو الوفاء أمام متطلبات البقاء. لقد دمرت بريطانيا سفن حليفتها لكي لا تضطر لمواجهتها غداً تحت العلم النازي، ودفعت الجزائر ثمن هذا الصراع بوقوعه على سواحلها وتحول مياهها إلى مقبرة لآلاف البحارة.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى