حروباخر الاخبار

“قسد” في مواجهة القرارات الصعبة: دعوة دمشق للمفاوضات وشروط الحكم الذاتي

تجد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها في موقف حرج، بعد أن وجهت دمشق دعوة للتفاوض بشأن عودتها إلى كنف الدولة السورية. تأتي هذه الدعوة في توقيت مدروس بعناية، لكن دون إبداء أي استعداد من دمشق للاعتراف بمشروع الحكم الذاتي الذي أقامته “قسد” في شمال شرق البلاد.

“قسد” تبحث عن ضمانات وسط تحديات متعددة

تصر “قسد” على ضرورة الحصول على ضمانات تكفل تجربتها في الحكم، وتحافظ على خصوصيتها القومية والثقافية ضمن دستور سوري جديد. ومع ذلك، يصطدم هذا المطلب بموقف دمشق، التي تبدو أكثر قوة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي السابق ترامب الأخيرة التي أشادت بحكومة الرئيس السوري بشار الأسد. يضاف إلى ذلك غموض الموقف الأمريكي بشأن بقاء قواته في شرق سوريا، وتردده في تقديم اعتراف كامل بمشروع سياسي نهائي للأكراد.

في الوقت ذاته، تعاني “قسد” من حصار سياسي وعسكري من قبل القوات التركية وقوات دمشق، وتواجه تهديدًا باجتياح تركي ينتظر أي تعثر في المفاوضات الحالية لإعادة المنطقة إلى وصاية الحكومة السورية. هذه الظروف تضع “قسد” في موقف صعب، قد يهدد كيانها بالكامل ما لم تتدخل تفاهمات دولية وإقليمية. وحتى ذلك الحين، ستواصل “قسد” المناورة، متمسكة بالإنجازات التي حققتها خلال سنوات الحرب السورية الطويلة، بينما يراقبها الكثير من أبناء المكونات السورية الذين يأملون في البناء على تجربة حكمها الذاتي أو إعادة التموضع السياسي إذا ما نجحت دمشق في فرض كلمتها الأخيرة.


بوادر التفاوض: مخيم الهول وملف “داعش”

بدأت أولى ثمار التفاوض تتضح مع زيارة وفد حكومي سوري إلى مخيم الهول. هذه الخطوة جاءت بعد اتفاق بين رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع والقيادي في “قسد” مظلوم عبدي، وتُعد من أولى أعمال اللجنة المشكلة لمناقشة ملف “داعش” والمخيمات في شمال شرقي البلاد. تندرج الزيارة في سياق استكشافي للمخيم والمعتقلات التي تؤوي مقاتلين من التنظيم المتشدد.

ومع أهمية هذه الخطوة، فإن تسليم ملف “داعش” للحكومة السورية لن يكون بالسرعة والسلاسة المتوقعة، نظرًا للتعقيدات المحيطة به. فالمعروف أن نحو 11 ألف مقاتل من التنظيم، بالإضافة إلى عائلاتهم، ينتمون إلى 47 دولة، ويشكلون خطرًا كبيرًا على سوريا ودول الجوار. كما أن أي آلية لمعالجة ملفهم تتطلب موافقة مباشرة من الولايات المتحدة والتحالف الدولي. كل ذلك يجعل مهمة نقل الملف إلى الحكومة السورية شاقة وتحتاج إلى جولات تفاوض ماراثونية.


المشهد السوري المعقد: المصالحة الوطنية و”خط أحمر” الانفصال

يبدو المشهد السوري معقدًا للغاية. من جانب، تحاول دمشق تحريك المياه الراكدة عبر طرح يدعو إلى دمج “قسد” في الجيش السوري، في خطوة لتعزيز سيادتها ضمن سياق المصالحة الوطنية. ومن جانب آخر، تبدو “قسد” حريصة على رفض الضغوط التركية، مع التزامها بمحاربة تنظيم “داعش”. أما الموقف الأمريكي، فيظهر ميوعة تجعله عرضة لتقلبات الحاضر والمستقبل، خاصة على الصعيد الميداني.

أكد الباحث السياسي السوري أحمد طعمة أن هناك دوافع عديدة للتقارب بين دمشق و”قسد”، أبرزها قتال “داعش” ومحاربة الإرهاب. لكنه شدد على أن المشاريع الانفصالية تبقى “خطًا أحمر” بالنسبة للحكومة، ولا يمكن المساومة عليها. ودعا طعمة “قسد” إلى إدراك حجم المنفعة التي ستعود عليها وعلى عموم البلاد بالاندماج في الدولة السورية، وتحويل سلاحها إلى سلاح شرعي ينتمي إلى الجيش السوري، لحماية البلاد ومكافحة الإرهاب وتعزيز الوحدة الوطنية. وأشار إلى أن هذه الخطوة ستقضي على المشروع الانفصالي المدعوم من الغرب وتحمي وحدة البلاد.

وشدد المحلل السياسي على أن الحكومة الحالية تسعى للحفاظ على وحدة البلاد الجغرافية ومنع قيام كيانات انفصالية مهما كان الثمن، وتشاركها في ذلك دول إقليمية على رأسها تركيا. لكن طعمة يرى أن اتفاق الرؤى مع الأتراك لا يعني بالضرورة اتفاق الوسيلة؛ فدمشق، حسب قوله، تفضل استخدام القوة الناعمة في الحفاظ على وحدة البلاد وترفض التدخلات الأجنبية من أي طرف، بمن فيهم الحلفاء، مع الحفاظ على ملف شمال شرق البلاد في يد السوريين أنفسهم.

ولفت طعمة إلى أن العلاقة الأمريكية مع “قسد” ليست في أفضل حالاتها، بسبب الضبابية والتردد الذي يحكم نظرة واشنطن الحالية لملف الإدارة الذاتية الكردية. ووصف مبادرة دمشق تجاه الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بأنها “ضربة سياسية ذكية”، استغلت النظرة الأمريكية الحالية تجاه “قسد” والتهديدات التركية التي يأخذها الأكراد على محمل الجد، مما يقلل من أوراق التفاوض القوية لدى “قسد”. وذكر طعمة “قسد” بأن واشنطن، على الرغم من دعمها العسكري، لم تحسم أبدًا بشأن حتمية بقائها ككيان سياسي كردي نهائي في سوريا، ما يجعل خيارات “قسد” صعبة ومحدودة.


“مقاربة أخرى”: ضرورة ضمانات للاعتراف بالحكم الذاتي

من جانبه، يرى المفكر السوري جمال حمو أن طرح دمشق الحالي لا يأخذ بعين الاعتبار حجم التضحيات التي قدمتها “قسد”، والتي أدت إلى تقديمها نموذجًا يحتذى به في سوريا، بعيدًا عن مركزية القرار التي كانت تمارس فيها العنصرية.

وشدد حمو على أن فكرة تسليم “قسد” لسلاحها دون ضمانات هي “فكرة مجنونة وانتحارية”، خاصة في وقت تواصل فيه “قسد”، بدعم أمريكي، قتال خلايا تنظيم داعش الإرهابي، وتستعد للتصدي لأي ترجمة تركية لتهديدات أنقرة باجتياح مناطقها، كما تسعى للمحافظة على تجربتها الفريدة في الحكم والتي تحاول دمشق تفكيكها تحت عنوان المصالحة الوطنية ووحدة البلاد.

وأشار حمو إلى أن الحكومة السورية ربما تكون قد بالغت في تقدير مرونة الموقف الأمريكي تجاهها، وافترضت أن الرئيس ترامب منحها الضوء الأخضر للمضي قدمًا في مشاريعها التي يطغى عليها “اللون الواحد” على المستويين السياسي والعقائدي، وكل ذلك على حساب بقية المكونات السورية. يرى حمو أن “قسد” لا يمكنها الموافقة على طروحات دمشق الداعية إلى تسليمها كل شيء بعد أن دفعت لأجلها دماء عشرات الآلاف من مقاتليها الذين قضوا في قتال داعش وبناء الاستقرار في شمال شرق البلاد.

لم يغلق حمو الباب على فرضية التفاوض مع دمشق، معتبرًا إياه أمرًا ضروريًا. لكنه شدد على أهمية أن يأخذ هذا الحوار بعين الاعتبار مكانة “قسد” التي اكتسبتها بالتضحيات الجسام، وضرورة وجود ضمانات سياسية ودستورية تعترف بالإدارة الذاتية، وهو ما تصر دمشق على رفضه حتى الآن.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى