معركة البقاء: الغزيون في مواجهة الجوع والقصف بمراكز المساعدات

تحولت ساحات توزيع المساعدات الغذائية في غزة إلى مناطق خطرة، حيث يواجه السكان رحلة محفوفة بالمخاطر للحصول على أقل القليل من الطعام. يشق الغزيون طريقهم بصعوبة، معرضين حياتهم للخطر، فقط للبقاء على قيد الحياة ليوم آخر في ظل ظروف قاسية.
كشفت صحيفة “هاآرتس” العبرية أن الجنود الإسرائيليين يتلقون أوامر بإطلاق الذخيرة الحية على الفلسطينيين في نقاط توزيع الطعام بهدف “السيطرة على الحشود”. وصف أحد الجنود هذه المناطق بأنها “حقل قتل”، واقترح البعض أن سياسة استخدام الذخيرة الحية لتفريق الحشود في شمال غزة، خوفًا من تسارعهم نحو شاحنات الأمم المتحدة، هي سياسة العميد يهودا فاش، قائد الفرقة 252، وليست بالضرورة سياسة القيادة العسكرية أو الحكومة الإسرائيلية.
تصعيد الحصار وتقييد المساعدات
خرق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف إطلاق النار الأخير في حرب غزة، بتاريخ 18 مارس، بشن غارات جوية أسفرت عن استشهاد أكثر من 400 فلسطيني في 36 ساعة فقط، بينهم 183 طفلاً. كما فرض حصاراً شاملاً في 2 مارس، مانعاً دخول أي مساعدات إلى القطاع من مارس حتى أواخر مايو.
أبعدت إسرائيل المؤسسات الدولية المتخصصة في توزيع المساعدات الإنسانية، واعتمدت بدلاً من ذلك على “مؤسسة غزة الإنسانية”، وهي منظمة غير ربحية مسجلة في ولاية ديلاوير، ممولة بمبلغ 30 مليون دولار من إدارة ترامب. وصفت هذه المؤسسة نفسها بأنها تسعى لتحقيق “رؤية الرئيس ترامب لقطاع غزة”، والتي تشمل “تسهيل الإبعاد القسري لجميع الفلسطينيين من المنطقة وتحويلها إلى ريفييرا الشرق الأوسط”.
قلة مراكز التوزيع وتفاقم الأزمة
تدعم بعض الشركات الربحية “مؤسسة غزة الإنسانية”، منها شركة ماكنالي كابيتال. ويدير المؤسسة جوني مور الابن، وهو مؤيد لإسرائيل، وفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”.
بدأت المؤسسة عملياتها في 26 مايو من جنوب غزة، بالقرب من رفح، وشغلت منذ ذلك الحين أربعة مراكز رئيسية فقط لتوزيع المساعدات، مقارنة بأكثر من 400 مركز كانت تديرها الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة التقليدية الأخرى.
الجوع يفتك بالأرواح
تقدر الأمم المتحدة أن ثلث سكان غزة، الذين يزيد عددهم عن مليوني فلسطيني، يقضون أياماً دون تناول الطعام. وتشير تقارير موثوقة إلى وفاة الرضع وكبار السن بسبب سوء التغذية والجفاف. وفقاً لتقرير صادر عن مجموعة من المنظمات غير الربحية الدولية، توفي أكثر من 100 شخص بسبب الجوع، بينهم 80 طفلاً.
وقعت أكثر من 100 وكالة إغاثة رسالة تطالب إسرائيل بالسماح بإدخال المزيد من الغذاء والماء والأدوية والإمدادات الأخرى إلى غزة فوراً.
قصص من قلب المعاناة
في غزة، لا يكاد أحد ينجو من عواقب الجوع، لكن الفئات الأكثر ضعفاً – الأطفال وكبار السن – هم الأكثر عرضة للخطر، حيث لا تستطيع أجسادهم تحمل فترات طويلة من عدم التغذية، بحسب مجلة “+972”.
عبدالله أبو جليلة، 82 عاماً، يعيش في خيمة مؤقتة بحي السرايا وسط مدينة غزة مع زوجته و12 من أبنائه وأحفاده، بعد أن دمرت غارات جوية إسرائيلية منزليه في مخيم جباليا للاجئين في أكتوبر 2024. يصف أبو جليلة معاناته: “انسكب الحساء على الناس بسبب التدافع، لم أحصل إلا على حصة واحدة، مجرد مرق مائي، لكنني أعطيته لصبي في العاشرة من عمره كان يبكي لأنه لم يحصل على شيء، ولم أتخيل يوماً أن أعيش هذا القدر من الجوع والمرض والتعب في حياتي.”
سارة معروف، 53 عاماً، تعاني من جوع شديد وإرهاق وهبوط حاد في سكر الدم. تعيش في خيمة مؤقتة مع أبنائها الأربعة وعائلاتهم في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة، بعد أن دمرت غارات جوية إسرائيلية منزلهم في بيت لاهيا شمالي غزة في ديسمبر 2024. تقول سارة إن كفاحهم الأكثر إلحاحاً هو تأمين وجبتهم التالية. تستذكر أيام ما قبل الحرب: “كنت أوزع الخضروات على الجيران والأقارب، حتى أنني كنت أعطي المال للمحتاجين… أما الآن، فأتوسل إلى الغرباء بأي شيء… قطعة طعام، أو مجرد بضعة شواكل لأشتري بها طعاماً.”
وصال معروف، 34 عاماً، نزحت مع تسعة من أفراد عائلتها، بمن فيهم زوجها وابنتها الصغيرة، إلى خيمة ضيقة مساحتها 16 متراً مربعاً داخل ملعب اليرموك وسط مدينة غزة. تقول وصال إنه قبل شهرين، عندما كان سعر كيلو الدقيق 40 شيكلاً، كانوا يشترون قطعتين من الخبز لكل فرد يومياً. وتضيف: “إذا استطعنا إيجاد الدقيق، فسيكلفنا 200 شيكل.” وتتابع: “أحياناً، لا أستطيع شراء سوى 100 جرام، تكفي بالكاد لصنع قطعة خبز واحدة لابنتي ميرا، البالغة من العمر ست سنوات… تبكي معظم اليوم، وكثيراً ما تسألني إن كان بإمكاني صنع المزيد، وهي لا تعلم أنني ووالدها نعطيها حصصنا، ولم يتبقَّ شيء.”
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





