اخر الاخبارأخبار العالماوروباسياسةمنوعات

حرب الروايات والتاريخ: زاخاروفا تشن هجوماً مضاداً ضد “التحريفية الأوروبية” وتؤكد تصدي روسيا لمحاولات طمس إرث الحرب العالمية الثانية

حرب الروايات والتاريخ: زاخاروفا تشن هجوماً مضاداً ضد “التحريفية الأوروبية” وتؤكد تصدي روسيا لمحاولات طمس إرث الحرب العالمية الثانية

موسكو، روسيا – في تصعيد جديد لصراع الروايات التاريخية الذي بات لا يقل ضراوة عن المواجهات الجيوسياسية، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفته بـ”الهجمة الممنهجة” لتزييف وقائع الحرب العالمية الثانية. وفي تصريحات حادة تعكس عمق الشرخ الثقافي والسياسي مع الغرب، شددت زاخاروفا على أن روسيا ستسخر كافة أدواتها الدبلوماسية والإعلامية للتصدي لمحاولات “غسل الأدمغة” التي تستهدف الأجيال الصاعدة في أوروبا والعالم.

هذا التقرير يستعرض أبعاد الموقف الروسي، وجذور الخلاف حول “المسؤولية المتساوية”، وكيف تحول “تعليم التاريخ” إلى ساحة معركة جديدة في القارة العجوز.


1. استراتيجية الرد الروسي: توحيد الحلفاء ونشر الحقائق

في حديثها لوكالة “نوفوستي”، أوضحت زاخاروفا أن موسكو تتبنى استراتيجية “الهجوم المضاد بالمعلومات”. وأشارت إلى أن مكافحة تزييف التاريخ لا تقتصر على البيانات الصحفية، بل تمتد إلى:

  • نشر المعلومات الموضوعية: عبر فتح الأرشيفات التاريخية وتفنيد الروايات التي تحاول تقزيم دور الجيش الأحمر في دحر النازية.

  • توحيد المؤيدين: بناء جبهة دولية من المؤرخين والسياسيين الذين يرفضون إعادة كتابة التاريخ لأغراض سياسية آنية.

وترى الخارجية الروسية أن نتائج الحرب العالمية الثانية ليست مجرد ذكريات، بل هي حجر الزاوية الذي قام عليه النظام الدولي الحالي، وأي مساس بها هو مساس بشرعية المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة.


2. البرلمان الأوروبي في المرمى: فخ “المسؤولية المتساوية”

وجهت زاخاروفا انتقادات لاذعة للبرلمان الأوروبي، متهمة إياه بتبني قرارات “تحريفية” تهدف إلى مساواة الاتحاد السوفيتي بالرايخ الثالث النازي.

الأبعاد القانونية والتاريخية:

أكدت زاخاروفا أن هذه المساواة تمثل انتهاكاً صارخاً لعدة ثوابت دولية:

  • حكم محكمة نورمبرغ: التي حددت بوضوح المجرمين المسؤولين عن الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولم تضع الاتحاد السوفيتي (الذي كان ضمن التحالف المنتصر) في كفة المساواة مع النازية.

  • ميثاق الأمم المتحدة: الذي تأسس بناءً على نتائج النصر في عام 1945، واعتبر الاتحاد السوفيتي أحد الركائز الأساسية للأمن العالمي.

  • تقويض النظام العالمي: ترى موسكو أن “أنسنة” النازية أو “شيطنة” السوفيت يهدف في النهاية إلى سحب الشرعية من حق روسيا في الفيتو داخل مجلس الأمن ومن دورها كقوة عظمى برزت بعد الحرب.


3. “أكرنة” التاريخ: معركة المناهج الدراسية في أوروبا

من أخطر النقاط التي أثارتها زاخاروفا هي دور “مرصد تعليم التاريخ” التابع لمجلس أوروبا. واتهمت المرصد بالشروع في عملية “أكرنة” (Ukrainization) للتاريخ، وهي محاولة لإعادة صياغة دور روسيا في تاريخ القارة الأوروبية من منظور النزاع الحالي في أوكرانيا.

غسل الدماغ من مقاعد الدراسة:

حذرت المتحدثة الروسية من أن “غسل الدماغ يبدأ الآن من مقاعد الدراسة”، حيث يتم استبدال الحقائق التاريخية بمواد تعليمية ومناهج دراسية مُسيسة تهدف إلى:

  1. عزل روسيا تاريخياً: عبر تصويرها ككيان كان دائماً خارج السياق الحضاري الأوروبي أو معادياً له.

  2. شطب التضحيات السوفيتية: محاولة تجاهل حقيقة أن 27 مليون مواطن سوفيتي فقدوا حياتهم في الحرب لتحرير أوروبا من الفاشية.

  3. خلق أجيال معادية: عبر تلقين الطلاب في أوروبا رواية أحادية الجانب تُسقط صراعات اليوم على أحداث الماضي.


4. التداعيات الجيوسياسية لإعادة كتابة التاريخ

لماذا تولي روسيا كل هذا الاهتمام للتاريخ؟ الجواب يكمن في “الشرعية السياسية”. في القاموس السياسي الروسي، يعتبر “النصر العظيم” في عام 1945 هو العنصر الأكثر توحيداً للشعب الروسي وللدولة. فعندما يحاول الغرب تحويل الاتحاد السوفيتي من “مُحرر” إلى “مُعتدٍ مشارك”، فإنه يضرب العمق الاستراتيجي للهوية الروسية.

ويرى المحللون أن هذا الصراع التاريخي هو جزء من “الحرب الهجينة”، حيث يُستخدم التاريخ كأداة للقوة الناعمة لتبرير العقوبات الحالية أو لتسويغ توسع الناتو شرقاً، عبر تصوير روسيا كتهديد تاريخي مستمر.


5. مستقبل الصراع: هل من مساحة للحوار التاريخي؟

في ظل التوترات الراهنة لعام 2026، يبدو أن الفجوة بين الروايتين الروسية والأوروبية وصلت إلى طريق مسدود. فبينما يركز الغرب على “اتفاقية مولوتوف-ريبنتروب” كذريعة لمساواة السوفيت بالنازيين، تركز روسيا على “اتفاقية ميونيخ” وخيانة الغرب لتشيكوسلوفاكيا كسبب حقيقي لاندلاع الحرب.

تختم زاخاروفا تصريحاتها برسالة واضحة: روسيا لن تتراجع عن حماية إرث آبائها، وستعتبر أي محاولة لتغيير المناهج الدراسية في الخارج بمثابة عدوان ثقافي يتطلب رداً حاسماً.


6. خلاصة وتحليل: التاريخ كدرع وسيف

إن تصريحات زاخاروفا تعيد التأكيد على أن الحرب العالمية الثانية لا تزال “حرباً حية” في الوجدان السياسي الروسي. إن معركة المناهج التي تدور الآن في أروقة مجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي ستحدد شكل العلاقة بين الشرق والغرب لعقود قادمة. فإذا نجح الغرب في تغيير الرواية التاريخية، فإنه سيغير وجه النظام الدولي، وإذا نجحت روسيا في التصدي لذلك، فإنها ستضمن بقاء مكانتها كقوة لا يمكن تجاوز تاريخها أو دورها في صياغة مستقبل العالم.



لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى