المقاومة الفلسطينية و”متانة” العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية: تحليل الأثر والحدود

على الرغم من الصمود الأسطوري لأهالي قطاع غزة وفصائل المقاومة الفلسطينية في مواجهة “حرب الإبادة” الإسرائيلية، كشفت الحرب الأخيرة عن “متانة” غير مسبوقة للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي. يثير هذا الواقع تساؤلات حاسمة حول قدرة المقاومة الفلسطينية على التأثير في هذه العلاقة، وإلى أي مدى يمكنها، بمفردها، تعديل السياسة الأمريكية تجاه فلسطين والمنطقة، خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
لتحليل أثر المقاومة في هذه العلاقة المعقدة وتحديد حدود قدرتها على تغيير سياسات واشنطن الإقليمية، يمكننا التركيز على ثلاث ملاحظات منهجية:
1. تطور أداء المقاومة في “الحرب غير المتناظرة”
شهد أداء قوى المقاومة تطورًا ملحوظًا بالتوازي مع عودة عجلة المفاوضات وجهود الوساطة القطرية، خاصة بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران في 24 يونيو 2025. يؤكد هذا إدراك المقاومة للدوافع الإسرائيلية في استغلال نتائج الحرب على إيران لفرض شروط أكثر تعقيدًا وصارمة على مصير غزة وقضية فلسطين ككل.
اللافت هو انتقال المقاومة الفلسطينية من وضعية “الدفاع” إلى “الهجوم” على قوات الاحتلال في غزة، كما يتضح من جرأة مقاتلي كتائب القسام وسرايا القدس في تنفيذ عمليات مركبة وكمائن محكمة، وجمع معلومات استخباراتية دقيقة بهدف أسر جنود إسرائيليين، وهو ما كشف عنه المتحدث العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، بتاريخ 18 يوليو 2025.
على الرغم من التفوق العسكري والتقني والسيبراني الإسرائيلي الكاسح مقابل محدودية عتاد المقاومة، أسهمت طبيعة “الحرب غير المتناظرة” (Asymmetric warfare) بين الجيش الإسرائيلي النظامي (إضافة إلى قوات الاحتياط) والمقاومة في غزة في تحقيق أربع نتائج:
- زيادة الخسائر الإسرائيلية: ارتفاع الكلفة البشرية والخسائر في الآليات والمعدات لجيش الاحتلال.
- فشل الأهداف العسكرية الإسرائيلية: فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه العسكرية، وتآكل سمعته وقدراته الردعية، ومعنويات جنوده، رغم كونه من أقوى الجيوش عالميًا.
- إبداع المقاومة تكتيكيًا: تميز كتائب القسام وسرايا القدس في توظيف أساليب “الحرب غير المتناظرة” مثل الكمائن المركبة، استخدام الأنفاق القتالية واللوجستية، وتوظيف الأسلحة المحمولة (كـ “آر بي جي” والعبوات الناسفة وبنادق القنص) لمهاجمة جيش الاحتلال في أماكن غير متوقعة، مع الحفاظ على تماسك منظومة القيادة والسيطرة لديهم.
- تحويل المواجهة إلى “حرب استنزاف”: بهدف تحقيق ثلاثة أهداف:
- تغيير “حسابات النصر والهزيمة” لدى الطرف الإسرائيلي.
- التأثير على تماسك المجتمع الإسرائيلي خلف جيشه، وهز صورة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
- إفشال العمليات الإسرائيلية كلها (مثل عربات جدعون)، مع استمرار بقاء فصائل المقاومة في غزة ورفضها الخروج أو نزع سلاحها.
في حين أن الأداء القتالي للمقاومة لم يترجم نفسه حتى الآن إلى إقناع واشنطن بتغيير سياساتها تجاه غزة والقضية الفلسطينية، أو التأثير على “متانة” التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، فإنه من الصحيح أن “حرب الإبادة” فشلت في تحقيق أهم أهدافها، وهو تهجير أهالي غزة، كما فشلت إسرائيل في تحقيق “الحسم العسكري” رغم الدعم الأمريكي اللامحدود وإحجام القوى الدولية والإقليمية عن تحدي واشنطن.
2. إرباك الاستراتيجيات الدولية وتحويل إسرائيل إلى “عبء استراتيجي”
كان لهجوم المقاومة الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزة (7 أكتوبر 2023) أثر كبير في إرباك معظم الاستراتيجيات الدولية والإقليمية، وحتى السياسات الإسرائيلية نفسها، وذلك في جانبين رئيسيين:
- عرقلة التطبيع الإقليمي: دفع مسار التطبيع الإقليمي مع إسرائيل إلى مستويات “أقل علنية” أو عرقلته/إبطائه في حالات أخرى، على الرغم من استمرار الضغط الأمريكي لتحقيق هدف التطبيع ودمج إسرائيل في المنطقة كقوة رائدة.
- إسرائيل كعبء استراتيجي: نجحت المقاومة في تحويل إسرائيل إلى “عبء استراتيجي” على السياسات الأمريكية في الإقليم والعالم. اضطرت واشنطن للبحث عن حلول لإخراج نتنياهو (وإسرائيل عمومًا) من المأزق الاستراتيجي المتصاعد مع الشعب الفلسطيني، وذلك في ثلاث مناسبات على الأقل:
- توقيع ترامب أمرًا تنفيذيًا (7 فبراير 2025) لمعاقبة المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدارها مذكرة اعتقال بحق نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، وفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان (13 فبراير 2025).
- اجتهاد واشنطن في إيجاد حلول لحليفها الإسرائيلي لتجنب المسؤولية عن تجويع الغزيين واستهداف طالبي المساعدات بشكل منهجي ومتعمد، خاصة حول مراكز مؤسسة غزة الإنسانية الأمريكية التي تحولت إلى “مصائد موت” للغزيين.
- مطالبة ترامب بإلغاء محاكمة نتنياهو أمام القضاء الإسرائيلي أو منحه عفوًا، في إطار ترويج لتحرك أمريكي لإنهاء حرب غزة. هذا يذكّر بمحاولات الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في مايو 2024 للبحث عن بدائل لنتنياهو عبر استدعاء كبار الساسة الإسرائيليين إلى واشنطن (مثل وزير الأمن السابق يوآف غالانت، زعيم المعارضة يائير لابيد، والوزير السابق بيني غانتس)، لكن هذه الزيارات لم تسفر عن نتائج ملموسة.
3. العامل الزمني وتآكل هامش الحركة الإسرائيلية
تتصل الملاحظة الثالثة بإدخال العامل الزمني في تحليل أثر المقاومة الفلسطينية على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية. على الرغم من نجاح إسرائيل في توظيف الدعم الأمريكي على المدى القصير، فإن تصاعد عدوانيتها في المنطقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المديين المتوسط والبعيد. هذا قد يرغم واشنطن على إيجاد “نقطة توازن” بين المصالح الأمريكية، الإقليمية، والإسرائيلية، مما يعني تآكل هامش حرية الحركة الإسرائيلية على الصعيدين الفلسطيني والإقليمي.
ربما يؤدي تصاعد العدوانية الإسرائيلية في المنطقة، خاصة بعد الحرب على إيران (13-24 يونيو 2025) والعدوان على سوريا الذي طال مقر هيئة الأركان في دمشق ومحيط القصر الرئاسي (16 يوليو 2025)، إلى تفعيل البعد الإقليمي في الصراع مع إسرائيل. وقد يغير ذلك من سياسة “الإحجام الإقليمي” عن تحدي إسرائيل في سياسة إعادة رسم الخرائط والتوازنات الإقليمية، مما قد يستدرج الشرق الأوسط إلى سيناريو “فوضى إقليمية شاملة”.
هذا السيناريو قد يدفع إلى إدراك إقليمي أكبر حول تصاعد “التهديد الإسرائيلي” لكيانات ومقدرات الدول العربية والإقليمية، وربما يدفع نحو سيناريو إيجابي: نجاح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط في تحقيق قدر أعلى من “التماسك” و”الاستقلالية النسبية” عن واشنطن. يمكن أن يتعزز هذا السيناريو بنجاح نموذج المقاومة الفلسطينية في تحريك حراك شعبي عربي يعيد للأمة العربية وزنها، ويزيد احتمالات التقارب العربي مع تركيا وإيران لإعادة بناء “منظومة أمن إقليمي جماعي” قائمة على “عزل” إسرائيل ومواجهة سياساتها في تصدير أزماتها الداخلية عبر تفكيك الدول العربية وإضعافها. أسلوب ترامب وسياساته المتناقضة، خاصة إصراره على تهجير الفلسطينيين وإحياء “الحل الإقليمي” وتهميش قضية فلسطين، قد يهدد معاهدتي السلام المصرية والأردنية مع إسرائيل، مما يعني احتمال إخفاق واشنطن في إعادة بناء الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها كما يتصورها ترامب.
في الختام، لقد أثرت المقاومة الفلسطينية على مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، وقلصت شرعيتها، واستنزفت صورتها الإعلامية، وكشفت زيف سرديتها، وفضحت الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل. لكن التأثير الجذري على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية يتطلب قدرات أكبر مما تملكه المقاومة بمفردها؛ فهو يحتاج إلى قدرات دول إقليمية وازنة ونظام إقليمي متماسك يضغط على صانع القرار الدولي والغربي، خصوصًا الأمريكي، كما حدث في حرب أكتوبر 1973. هذا من شأنه أن يدفع السياسة الأمريكية تجاه فلسطين والمنطقة إلى تبني “منظور إقليمي شامل” يراعي مصالح جميع دول الإقليم، ولا يختزل كل شيء في “المنظور الإسرائيلي” فقط.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





