قراءة في تعهد الجناح العسكري للعمال الكردستاني بحماية أكراد سوريا وتداعياته على الصراع التركي الكردي

قراءة في تعهد الجناح العسكري للعمال الكردستاني بحماية أكراد سوريا وتداعياته على الصراع التركي الكردي
وصف المقال (Meta Description)
لماذا أعلن الجناح العسكري للعمال الكردستاني تمسكه بالدفاع عن أكراد سوريا؟ استكشف الأبعاد العسكرية والسياسية لهذا التصريح، وموقف تركيا منه، وكيف يؤثر هذا الترابط العابر للحدود على مستقبل الشمال السوري والشرق الأوسط.
مقدمة: الجغرافيا السياسية والروابط الأيديولوجية
في تصريح يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية، أعلن الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني (HPG) التزامه المطلق بعدم التخلي عن أكراد سوريا. هذا الإعلان يأتي في ذروة تعقيدات الملف السوري، ليعيد تسليط الضوء على “الترابط العضوي” بين القوى الكردية في جبال قنديل والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
إن هذا الموقف لا يعبر فقط عن تضامن عسكري، بل هو إعلان عن استمرارية مشروع “الأمة الديمقراطية” الذي يرفض الاعتراف بالحدود الجغرافية المرسومة في القرن الماضي. وفي هذا المقال، نحلل الدوافع العميقة لهذا التعهد، والرسائل المشفرة التي أطلقها الجناح العسكري، وكيف ستتعامل القوى الإقليمية والدولية مع هذا “الثبات” في الموقف.
أولاً: فلسفة “الخندق الواحد” بين قنديل والقامشلي
يرتكز موقف الجناح العسكري للعمال الكردستاني على عدة ركائز أيديولوجية وعملياتية تجعل من الصعب فك الارتباط بين الطرفين:
1. الامتداد الأيديولوجي (الآبوجية)
تعتبر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والوحدات الكردية في سوريا أن فكر عبد الله أوجلان هو المرجعية الفلسفية لها. هذا الاشتراك الأيديولوجي يجعل من الجناح العسكري للعمال الكردستاني “الأب الروحي” والمدرّب الأساسي للكوادر في شمال سوريا، وهو ما يجعل التخلي عنهم بمثابة انتحار سياسي وأيديولوجي للمشروع الكردي ككل.
2. وحدة الساحة القتالية
من منظور عسكري، يرى حزب العمال الكردستاني أن معركته مع الدولة التركية هي معركة “شاملة” لا تقتصر على جنوب شرق تركيا أو شمال العراق، بل تمتد لتشمل الشمال السوري. السيطرة على مساحات جغرافية في سوريا تمنح الحزب “عمقاً استراتيجياً” ومناطق تدريب ودعم لوجستي لا يمكن تعويضها.
ثانياً: الرسائل العسكرية الموجهة لأنقرة والدول الفاعلة
توقيت هذا التصريح ليس عشوائياً، فهو يحمل في طياته رسائل نارية:
تحدي التهديدات التركية: الرسالة واضحة لأنقرة؛ أي عملية عسكرية برية في الشمال السوري ستواجه بمقاومة لا تقتصر على القوى المحلية، بل قد تشمل تدخلات نوعية من كوادر “قنديل” المجربة في حروب الجبال والشوارع.
إرباك الحسابات الدولية: يبعث التصريح برسالة للولايات المتحدة وروسيا، مفادها أن أي محاولة لعقد صفقات سياسية تتضمن “طرد” أو “تحجيم” نفوذ العمال الكردستاني في سوريا هي محاولات غير واقعية ولن تنجح في إنهاء التواجد الفعلي على الأرض.
ثالثاً: تداعيات الالتزام الكردي على استقرار الشمال السوري
هذا الإعلان “لن نتخلى عن أكراد سوريا” يضع المنطقة أمام سيناريوهات معقدة:
شرعنة التدخلات التركية: تستخدم أنقرة مثل هذه التصريحات كذريعة قانونية وأمنية أمام المجتمع الدولي لتبرير عملياتها العسكرية ومشاريع “المنطقة الآمنة”، بحجة محاربة تنظيم عابر للحدود يستهدف أمنها القومي.
الضغط على الإدارة الذاتية: تضع هذه التصريحات القوى السياسية الكردية في سوريا في موقف محرج؛ فبينما تحاول “قسد” تسويق نفسها كقوة سورية محلية شريكة للتحالف الدولي، يأتي تصريح قنديل ليعزز الرواية التركية حول “التبعية المطلقة”.
تفاقم حرب الاستنزاف: قد نشهد زيادة في وتيرة العمليات النوعية والاغتيالات عبر الطائرات المسيرة، حيث ستسعى تركيا لقطع “رؤوس التنسيق” بين الجناح العسكري في قنديل وكوادره في سوريا.
رابعاً: هل أكراد سوريا بحاجة لهذا الدعم فعلاً؟
من الناحية العسكرية، تمتلك وحدات حماية الشعب (YPG) وقسد ترسانة سلاح وخبرة قتالية اكتسبتها من محاربة تنظيم داعش بدعم أمريكي. ومع ذلك، يظل “الدعم الاستشاري” والخبرة في “حرب الأنفاق” والتحصينات الدفاعية التي يمتلكها الجناح العسكري للعمال الكردستاني عنصراً حيوياً في مواجهة جيش نظامي كجيش تركيا. لذا، فإن الحاجة هنا ليست عددية بقدر ما هي “نوعية واستراتيجية”.
خامساً: الموقف الدولي.. صمت أم عجز؟
الولايات المتحدة: تجد واشنطن نفسها في معضلة؛ فهي تدعم قسد عسكرياً لمحاربة الإرهاب، لكنها تصنف حزب العمال الكردستاني “منظمة إرهابية”. التصريحات الأخيرة تزيد من حرج الموقف الأمريكي وتصعب مهمة المبعوثين الدوليين في إقناع أنقرة بالتهدئة.
روسيا ونظام دمشق: يستفيد الطرفان من هذا التوتر؛ فدمشق ترى في التهديدات التركية والارتباط مع قنديل وسيلة لإجبار الأكراد على تقديم تنازلات والعودة إلى سلطة الدولة المركزية كحماية وحيدة لهم.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية.. نحو صراع مفتوح أم تهدئة قسرية؟
بناءً على هذا الإعلان، يمكن توقع المسارات التالية:
التصعيد الجراحي: استمرار تركيا في ضرب البنية التحتية والقيادية في الشمال السوري لإضعاف الرابط مع قنديل دون الدخول في حرب شاملة.
إعادة التموضع الكردي: قد يلجأ حزب العمال الكردستاني لتغيير أسماء وحداته أو دمجها بشكل أعمق داخل الهياكل المحلية في سوريا لتجنب الرصد الدولي، مع الحفاظ على جوهر الالتزام بالدفاع عن المنطقة.
سابعاً: الخلاصة.. “قنديل” و”روج آفا” ميزان القوى الصعب
في الختام، إن تصريح الجناح العسكري للعمال الكردستاني “لن نتخلى عن أكراد سوريا” هو تأكيد على أن القضية الكردية هي “كتلة واحدة” لا تقبل التجزئة في نظر قيادات الحزب. هذه الاستراتيجية العابرة للحدود تجعل من الصعب الوصول إلى حلول “موضعية” في سوريا دون النظر إلى الصراع الكلي في المنطقة.
ستبقى جبال كردفان وسهول الجزيرة السورية مرتبطة بحبل سري أيديولوجي وعسكري، مما يجعل مستقبل المنطقة رهناً بتفاهمات كبرى قد تتأخر طويلاً، بينما يظل المقاتلون على الطرفين في حالة استنفار دائم لحماية ما يعتبرونه “قلب المشروع الكردي النابض”.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





