أخبار العالماخر الاخبارعاجل

اليمن قبل 1990.. كيف رسم الاستقلال عن بريطانيا والعثمانيين ملامح الصراع المعاصر؟

"بين إرثين واستعمارين".. قراءة في الجذور التاريخية للقضية الجنوبية وتعدد الكيانات اليمنية

لا يمكن فهم تعقيدات المشهد اليمني الحالي دون العودة إلى الجذور التي تشكلت في القرن العشرين؛ حيث كان اليمن، حتى عشية إعلان الوحدة في عام 1990، يتكون من دولتين سياديتين معترف بهما دولياً، لكل منهما علمها، وعملتها، ومقعدها المستقل في الأمم المتحدة. هذا الانقسام لم يكن مجرد حدود جغرافية، بل كان نتاج تجارب استعمارية وأنظمة حكم متباينة تماماً.

الجنوب والشمال: مسارات الاستقلال والسيادة

توزعت الجغرافيا اليمنية بين قوتين دوليتين، مما خلق بيئتين سياسيتين مختلفتين:

  • دولة الجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية): تشكلت في المنطقة التي خضعت لـ الاستعمار البريطاني لمدة 129 عاماً. نالت استقلالها الناجز في 30 نوفمبر 1967 بعد ثورة مسلحة عنيفة. تبنت هذه الدولة النظام الاشتراكي، وبنت مؤسسات مدنية وعسكرية مركزية قوية، وكانت مدينة عدن هي العاصمة والمركز الاقتصادي والسياسي.

  • دولة الشمال (الجمهورية العربية اليمنية): كانت تخضع لـ الاحتلال العثماني، ونالت استقلالها في عام 1918 عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. تحولت من الحكم الإمامي (المملكة المتوكلية) إلى النظام الجمهوري بعد ثورة 1962، واتخذت من صنعاء عاصمة لها، متبنية نظاماً يمزج بين الجمهورية والتركيبة القبلية.

جذور الصراع: فجوة الاندماج وأزمة الهوية

إن جذور القضية الجنوبية تكمن في الطريقة التي تم بها دمج هذين الكيانين المختلفين:

  1. سرعة الوحدة: جرت الوحدة الاندماجية في عام 1990 دون فترة انتقالية كافية لتهيئة الأنظمة الإدارية والقانونية المتباينة.

  2. حرب 1994: مثلت هذه الحرب الانكسار الحقيقي لمشروع الوحدة، حيث أدت إلى شعور الجنوبيين بالهزيمة العسكرية والإقصاء من الشراكة السياسية، مما حول “الوحدة” في نظر الكثيرين إلى “إلحاق”.

  3. التهميش المؤسسي: أدى تسريح آلاف الكوادر الجنوبية (مدنيين وعسكريين) بعد الحرب إلى تراكم الغبن الاجتماعي، وهو ما انفجر لاحقاً في شكل “الحراك الجنوبي” المطالب بتقرير المصير.

الخلاصة

تؤكد المعطيات التاريخية أن جذور القضية الجنوبية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمي لتجربة دولة مستقلة في الجنوب (1967-1990) واجهت صعوبات بالغة في الاندماج مع نظام الشمال (المستقل منذ 1918). إن الاعتراف بهذا التباين التاريخي والمؤسسي يظل هو المدخل الوحيد لفهم جوهر النزاع القائم حالياً في اليمن، ومفتاح الوصول إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى