كيف يخطط ترامب لتقويض طموحات إيران الذرية؟ قراءة في سيناريوهات الردع والصدام

كيف يخطط ترامب لتقويض طموحات إيران الذرية؟ قراءة في سيناريوهات الردع والصدام
مقدمة: “فوضى منظمة” أم حسم عسكري؟
لطالما كان دونالد ترامب يرى في الاتفاق النووي لعام 2015 “أسوأ اتفاق في التاريخ”، ومنذ خروجه منه في ولايته الأولى، وضع نصب عينيه هدفاً واحداً: منع إيران من امتلاك القنبلة بأي ثمن. اليوم، ومع تصريحاته الجديدة بضرورة “التحرك” فور استئناف طهران لأنشطتها الحيوية، يبدو أننا أمام مرحلة جديدة من المواجهة التي قد تتجاوز لغة العقوبات لتصل إلى لغة الصواريخ والمقاتلات.
أولاً: محركات التصعيد في رؤية ترامب
تستند تصريحات ترامب إلى قناعة استخباراتية وسياسية بأن طهران استغلت فترات “التهدئة” لتعزيز بنيتها التحتية النووية تحت الأرض. هناك ثلاثة محركات رئيسية تدفع ترامب لهذا الموقف الصارم:
كسر حلقة التخصيب: تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول وصول إيران لتخصيب بنسبة 60% وأكثر، يضع واشنطن أمام “اختبار المصداقية”.
تغير التحالفات: يرى ترامب أن تقارب إيران مع قوى دولية كبرى يمنحها حصانة دبلوماسية يجب كسرها بفعل أحادي الجانب.
عقيدة “أمريكا أولاً”: التحرك الاستباقي في نظر ترامب يوفر على الخزانة الأمريكية مليارات الدولارات التي قد تُنفق في حرب استنزاف طويلة الأمد إذا امتلكت إيران سلاحاً رادعاً.
ثانياً: خريطة المنشآت المستهدفة في “ساعة التحرك”
عند الحديث عن “التحرك”، تبرز على الطاولة خارطة الأهداف التي تشكل العمود الفقري للمشروع الإيراني:
مفاعل “نطنز”: القلب النابض لعمليات التخصيب، والذي يقع جزء كبير منه تحت الأرض.
منشأة “فردو”: المحصنة داخل الجبال، والتي تمثل التحدي الأكبر لأي سلاح جوي تقليدي.
مفاعلات الماء الثقيل في “أراك”: التي تمثل المسار البديل لإنتاج البلوتونيوم.
ثالثاً: الاستراتيجية الشاملة (أبعد من القصف الجوي)
التحرك الذي يلوح به ترامب ليس مجرد غارة جوية، بل هو استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل:
1. شل الحركة المالية (عقوبات 2.0)
استكمال ما بدأه في ولايته الأولى عبر معاقبة أي كيان دولي يتعامل مع البنك المركزي الإيراني، مع التركيز على قطاعي البتروكيماويات والمعادن، لتحويل الداخل الإيراني إلى ساحة ضغط اجتماعي على النظام.
2. العزل الدبلوماسي القسري
الضغط على الدول الأوروبية لتفعيل آلية “الزناد” (Snapback) لإعادة كافة العقوبات الأممية التي رُفعت بموجب الاتفاق النووي، مما يحول إيران إلى “دولة منبوذة” قانونياً.
3. الدعم التكتيكي للحلفاء الإقليميين
إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات تخريبية سيبرانية أو أمنية، مع توفير الحماية اللوجستية والاستخباراتية الأمريكية، مما يبعد واشنطن عن الواجهة المباشرة للحرب في بدايتها.
رابعاً: التداعيات الجيوسياسية على منطقة الشرق الأوسط
إن أي “تحرك” أمريكي ضد إيران سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل المنطقة:
أمن الطاقة: احتمالية تعطل الملاحة في مضيق هرمز، مما سيؤدي إلى قفزة في أسعار الطاقة العالمية قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل.
اشتعال الجبهات الوكيلة: تحرك الفصائل الموالية لإيران في العراق، سوريا، اليمن، ولبنان لضرب المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية في المنطقة.
سباق تسلح إقليمي: إذا شعرت دول المنطقة أن المظلة الأمريكية غير كافية، فقد نشهد توجهاً من دول كبرى أخرى نحو امتلاك برامج نووية دفاعية.
خامساً: هل ينجح ترامب فيما فشل فيه سلفه؟
يكمن الاختلاف الجوهري بين ترامب وغيره في “عدم القدرة على التنبؤ” (Unpredictability). إيران كانت تتعامل مع الإدارات السابقة وفق قواعد اشتباك معروفة، لكن ترامب يكسر هذه القواعد، مما يضع صانع القرار في طهران أمام معضلة:
خيار التراجع: القبول باتفاق جديد “أكثر صرامة” يشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
خيار الانتحار النووي: المضي قدماً نحو القنبلة والمخاطرة بانهيار النظام تحت وطأة ضربة عسكرية شاملة.
سادساً: تحليل السيناريو الأسوأ (الحرب الشاملة)
رغم أن ترامب يفضل “الصفقات”، إلا أن منطق “التحرك” قد ينزلق إلى حرب شاملة. في هذا السيناريو، لن تكتفي واشنطن بضرب المفاعلات، بل ستستهدف مراكز القيادة والسيطرة، ومطارات الحرس الثوري، ومنصات إطلاق الصواريخ، مما يعني دخول المنطقة في نفق مظلم من الصراع المفتوح.
خاتمة: ما وراء التهديد
تصريح ترامب “سنتحرك” هو رسالة مزدوجة؛ هي تحذير لطهران لخفض سقف طموحاتها، ودعوة للمجتمع الدولي للالتفاف حول رؤيته قبل فوات الأوان. العالم اليوم يحبس أنفاسه، ليس خوفاً من القنبلة الإيرانية فحسب، بل من رد الفعل الأمريكي الذي قد يغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.
لقد وضع ترامب الكرة في ملعب طهران، وأي خطوة إيرانية نحو “استئناف البرنامج” قد تكون الشرارة التي تشعل فتيل مواجهة تاريخية لم يشهدها القرن الحادي والعشرون بعد.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





