أخبار العالماخر الاخبارالشرق الاوسطسياسةعاجلمنوعات

 هل تنجح الوساطة الدولية في كسر الجمود بين دمشق وقسد؟ “التفاوض الضروري” لإنقاذ ما تبقى

 هل تنجح الوساطة الدولية في كسر الجمود بين دمشق وقسد؟ “التفاوض الضروري” لإنقاذ ما تبقى


مقدمة: البحث عن “الثلث المعطل” في الصراع السوري

بعد عقد ونصف من الصراع الذي أعاد رسم ديموغرافيا وجغرافيا المنطقة، تدخل الأزمة السورية في عام 2026 منعطفاً هو الأكثر حساسية منذ بدايتها. لم تعد القضية مجرد “صراع على السلطة”، بل أصبحت صراعاً من أجل “البقاء الاقتصادي والسيادي”. في هذا السياق، تبرز الوساطات الدولية بين دمشق وقسد كطوق نجاة أخير لمنع تحول الانقسام الحالي إلى “انفصال دائم”.

إن العودة المحتملة للتفاوض التي يتم الترويج لها في الأروقة الدبلوماسية ليست ناتجة عن “رغبة مثالية” في السلام، بل هي نتاج “ضغوط واقعية” فرضتها المتغيرات الدولية الكبرى، بدءاً من إعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط وصولاً إلى رغبة القوى العظمى في إغلاق الملفات المفتوحة.


دوافع “التفاوض الاضطراري”: لماذا يتحرك الوسطاء الآن؟

هناك ثلاثة محركات أساسية تدفع بالوسطاء (موسكو، واشنطن، وعواصم إقليمية) نحو تقريب وجهات النظر بين المركز والقامشلي:

1. استنزاف الموارد والانهيار الاقتصادي

تعيش سوريا تحت وطأة عقوبات دولية وتضخم جامح. تدرك دمشق أن مفتاح التعافي الاقتصادي (النفط، الغاز، والقمح) موجود في الشرق، وتدرك “قسد” أن هذه الموارد لا قيمة قانونية أو دولية لها دون “ختم الدولة السورية”. الوساطة هنا تعمل كـ “سمسار اقتصادي” لإيجاد صيغة تقاسم أرباح تضمن تدفق السيولة للطرفين.

2. الفراغ الأمني وتهديد “داعش”

رغم القضاء على “دولة الخلافة”، لا يزال تنظيم “داعش” يمثل تهديداً كامناً عبر خلاياه النائمة. يرى المجتمع الدولي أن التنسيق الأمني بين دمشق وقسد هو الضمانة الوحيدة لمنع عودة التنظيم، خاصة مع رغبة واشنطن في تقليص حضورها العسكري المباشر.

3. التهديد العسكري العابر للحدود

العمليات العسكرية المستمرة أو المهدد بها من قِبل أطراف إقليمية في الشمال السوري، تضع “قسد” في موقف ضعيف. الحماية الوحيدة المستدامة والشرعية دولياً هي “السيادة الوطنية السورية”، وهو ما يدفع قسد للتفاوض للحصول على غطاء شرعي يمنع أي اجتياح جديد.


كواليس الوساطة: القوى المحركة والمصالح

تتحرك الوساطة الدولية ضمن مسارات متوازية:

  • المسار الروسي (مسار الضمانات): تسعى موسكو لتكرار نموذج “التسويات” لكن بصيغة أكثر استدامة. تضغط روسيا على دمشق لإظهار مرونة تجاه “اللامركزية”، وتضغط على قسد للابتعاد عن الأجندات الانفصالية.

  • المسار الأمريكي (مسار الاستقرار): تشجع واشنطن الحوار لضمان عدم حدوث فوضى عند أي انسحاب محتمل، ولتأمين حقوق الأقليات والمكونات التي تحالفت معها خلال الحرب ضد الإرهاب.

  • المسار العربي (مسار العروبة والسيادة): تهدف الوساطة العربية إلى استعادة سوريا بالكامل إلى “الحضن العربي”، وهو ما يتطلب إنهاء النفوذ غير العربي في الشمال والشرق، وتحقيق مصالحة وطنية شاملة.


العقبات الجوهرية: أين تكمن “شياطين التفاوض”؟

رغم وجود “نية” للعودة للتفاوض، إلا أن “الألغام” لا تزال مزروعة في طريق الاتفاق:

أولاً: السيادة مقابل الخصوصية

دمشق تطالب بسيادة مطلقة لا تقبل القسمة، بينما تطالب “قسد” بخصوصية ثقافية وعسكرية وإدارية. السؤال المعلق هو: هل يمكن لجيش واحد أن يضم وحدات بخصوصية إدارية مختلفة؟

ثانياً: الثروات والقرار المركزي

من سيسيطر على حقول “العمر” و”التنك”؟ هل ستكون الإدارة مركزية من دمشق أم ستكون هناك نسبة مخصصة لتنمية المناطق المنتجة؟ هذا الملف المالي هو الأكثر تعقيداً في ظل الحاجة الماسة للأموال لإعادة الإعمار.

ثالثاً: الدستور والاعتراف القانوني

تطالب الإدارة الذاتية باعتراف دستوري بوجودها، وهو ما تراه دمشق تهديداً لوحدة البلاد ومقدمة لـ “فيدرالية” قد تؤدي للانفصال مستقبلاً.


السيناريوهات المستقبلية للوساطة الدولية

بحلول منتصف عام 2026، يتوقع المحللون أن يتخذ الحوار أحد المسارات التالية:

  1. سيناريو “التجميد الذكي”: عدم التوصل لاتفاق سياسي شامل، بل الاكتفاء بـ “تفاهمات تقنية” (فتح معابر، تنسيق أمني ضد داعش، مقايضة النفط بالخدمات)، مما يبقي الوضع على ما هو عليه مع تقليل فرص التصادم.

  2. سيناريو “دمج المؤسسات”: البدء بدمج المؤسسات المدنية والخدمية (التعليم، الصحة، السجلات المدنية) كخطوة أولى تتبعها خطوات عسكرية وسياسية، وهو السيناريو الذي تفضله روسيا.

  3. سيناريو “التسوية الكبرى”: اتفاق شامل تحت رعاية دولية ينهي الصراع، ويؤدي إلى رفع العقوبات الدولية وبدء تدفق أموال إعادة الإعمار، وهو السيناريو الذي ينتظره ملايين السوريين.


الخاتمة: سوريا بين مطرقة الجمود وسندان الانقسام

إن الوساطات الدولية بين دمشق وقسد في عام 2026 ليست ترفاً سياسياً، بل هي ضرورة وجودية للدولة السورية بكافة مكوناتها. إن العودة المحتملة للتفاوض تمثل “الفرصة الذهبية” لإغلاق ثغرة استُنزفت من خلالها دماء السوريين وثرواتهم لسنوات طويلة.

النجاح في هذا المسار لا يتوقف فقط على رغبة الوسطاء الدوليين، بل على شجاعة القيادات المحلية في تقديم “تنازلات وطنية” من أجل مستقبل الأجيال القادمة. سوريا في 2026 تقف أمام مفترق طرق: إما الاتفاق والتعافي، أو الاستمرار في حالة التشرذم التي لا تخدم سوى أعداء الاستقرار.


لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى