غزة في ذكراها الثانية: مأساة محو الذاكرة وفاجعة ضياع الهوية تحت الركام

غزة في ذكراها الثانية: مأساة محو الذاكرة وفاجعة ضياع الهوية تحت الركام
عامان من الحرب في قطاع غزة لم يتركا أثراً لمسكن أو مأوى فحسب، بل وصلا إلى الجذور الضاربة في عمق التاريخ. اليوم، لا يواجه الفلسطينيون في غزة فقدان الأحبة فقط، بل يشهدون احتضار معالمهم التاريخية التي صمدت لآلاف السنين، ليقف الناجون وسط الأطلال في حيرة وجودية: هل نبكي بشراً رحلوا أم حجراً كان يحفظ أسماءنا؟
تقرير “اليونسكو”: أرقام تروي قصة التدمير
أظهرت بيانات الأقمار الاصطناعية التابعة لمنظمة اليونسكو حصيلة صادمة للدمار الثقافي في القطاع:
150 موقعاً أثرياً: تأكد تضررها بشكل مباشر منذ اندلاع النزاع.
توزيع الخسائر: شمل الدمار 115 مبنىً تاريخياً، و14 موقعاً دينياً، إضافة إلى مواقع أثرية يعود بعضها للعصور الكنعانية والبيزنطية.
اغتيال “قلب المدينة”: رحيل الرموز الدينية والتاريخية
لم تكن المباني المستهدفة مجرد حجارة، بل كانت “هوية حية” تتنفس بين الأزقة:
المسجد العمري الكبير: ذاكرة غزة وعمودها الفقري، الذي تحول من مركز للعبادة والحياة الاجتماعية إلى كومة من الركام، واصفاً أحد المستشارين مشهده كـ “شجرة اجتُثت من جذورها”.
قصر الباشا: الذي كان يحرس تاريخ المدينة، يعاني اليوم من دمار واسع وعمليات نهب طالت قطعاً أثرية لا تقدر بثمن.
كنيسة القديس بورفيريوس: أقدم كنائس المدينة، التي تلطخت جدرانها الأثرية بدماء النازحين، لتشهد على غياب الحصانة حتى عن أقدس المواقع.
“محو الهوية”.. استراتيجية الأرض المحروقة
يرى مختصون في الحفاظ على التراث، مثل عصام جحا، أن هذا الدمار الممنهج يتجاوز الصدفة العسكرية. إن الهدف هو:
قطع الصلة: إنهاء الارتباط التاريخي بين الفلسطيني وأرضه.
تدمير الشواهد: إزالة الأدلة المادية على تعاقب الحضارات في غزة.
تشتيت الذاكرة: تحويل المجتمع من مجتمع مستقر له تاريخ إلى مجتمع نازح يبحث عن فتات يومه.
صراع البقاء: ترميم المستحيل
رغم محاولات بعض المنظمات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، مثل دير القديس هيلاريون الذي نجا بأعجوبة، إلا أن العقبات تظل هائلة. ففي ظل انعدام الأمن ونقص الإمكانات، تظل عملية إعادة إعمار “هوية غزة” معركة لا تقل ضراوة عن معركة البقاء على قيد الحياة.
الواقع المرير: في غزة اليوم، اختفت الأسواق التي كانت تنبض بالحياة، وحلت مكانها صرخات الحزن على “كل شيء”؛ المنازل، المدارس، المساجد، والتاريخ الذي صار أثراً بعد عين.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





