رغم الجدران والحواجز نابلس بوصلة فلسطينيي الداخل في رحلة البحث عن الهوية والتسوق

لم تعد المسافة بين مدن الداخل الفلسطيني والضفة الغربية تُقاس بالكيلومترات، بل بساعات الانتظار عند “بوابات الجحيم” العسكرية. رحلة يقطعها “فلسطينيو الـ48” عبر جدار يفصل الأرض والناس، وصولاً إلى مدينة نابلس التي باتت تُمثل “الملاذ الأخير” للتواصل الاجتماعي والإنعاش الاقتصادي في ظل حصار خانق وتوسع استيطاني يبتلع الجغرافيا.
طريق الحواجز.. سيطرة بصرية وعسكرية
تبدأ الرحلة من حاجز “جبارة” جنوب طولكرم، حيث تتحول تجربة العبور من إجراء روتيني إلى اختبار للصبر تحت رحمة القرارات العسكرية المتقلبة. وعلى امتداد الطريق نحو نابلس، تبرز ملامح “الأبرتهايد” الجغرافي:
عزلة القرى: بوابات حديدية وكاميرات مراقبة تخنق مداخل قرى “الكفريات” وسفارين ودير شرف.
زحف استيطاني: لافتات ترويجية لمستوطنات مثل “أفني حيفتس” و”عناب”، وبؤر زراعية جديدة تفرض حضوراً بصرياً بالأعلام الإسرائيلية على قمم الجبال الفلسطينية.
نابلس.. “دمشق الصغرى” التي لا تنام
ما إن يتجاوز الزائر “دوار دير شرف” المزدحم بالعسكر، حتى تنفتح المدينة على إيقاع مغاير. في شارع “رفيديا” ومنطقة المجمع التجاري، تصطف الحافلات التي تحمل لوحات تسجيل صفراء (إسرائيلية)، ناقلة عائلات من الناصرة وباقة الغربية والمثلث.
لماذا يفضل “الداخل” مدينة نابلس؟
الأسعار: رغم موجة الغلاء العالمية وتداعيات الحرب، تظل الأسعار في نابلس أقل بكثير من نظيرتها في الداخل الفلسطيني.
الجودة والثقة: علاقة تراكمية بين التاجر والزبون، حيث يبحث الزائر عن “الجودة النابلسية” في الملابس والحلويات.
الحنين والانتماء: التجول في أزقة البلدة القديمة وتناول الكنافة في “خان التجار” يمثلان تجربة وجدانية تتجاوز مفهوم التسوق.
التاجر النابلسي.. صمود بـ”الابتسامة” والعروض
رغم أن النشاط التجاري في المدينة القديمة لا يتجاوز 20% من مستواه قبل الحرب، إلا أن تجار نابلس، مثل إحسان الكيلاني وطارق شتيوي، يراهنون على زبائن الداخل لكسر الركود.
نشاط جزئي: يتركز الحراك التجاري يومي الخميس والسبت (عطلة نهاية الأسبوع في الداخل).
تحديات اقتصادية: يعترف الزوار بارتفاع الأسعار، لكنهم يربطونها بغلاء المعيشة العام وضريبة “الطريق الالتفافي” الذي ضاعف زمن الرحلة من 30 دقيقة إلى 3 ساعات.
اندثار المسافات القصيرة
يقول صلاح مصاروة، من باقة الغربية، إن الحواجز العسكرية مثل “حاجز دير شرف” سلبته متعة الزيارة الخفيفة التي كانت تستغرق دقائق، لكنه يصر على القدوم، مؤكداً أن “الثقة والاعتياد” على تجار نابلس يجعلان من مشقة الطريق أمراً يستحق المغامرة.
تظل نابلس الرئة التي يتنفس منها اقتصاد الضفة، والساحة التي يلتقي فيها الفلسطينيون من جانبي “الخط الأخضر”، في مشهد يتحدى محاولات التفتيت الجغرافي والسياسي.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





