غضب في تركيا بعد إدراج أيقونة “غازي عنتاب” ضمن أسوأ أطعمة العالم!
كيف أهان موقع عالمي أيقونة الطهي التركي؟

لطالما اعتبر الأتراك مطبخهم القومي خطاً أحمر، وجزءاً لا يتجزأ من هويتهم الثقافية التي يفخرون بها أمام العالم. ولكن، اندلعت شرارة غضب واسعة النطاق في الأوساط التركية عقب صدور القائمة السنوية لموقع “TasteAtlas” الشهير، المعني بتقييم الأطعمة التقليدية حول العالم. الصدمة لم تكن في وجود أطباق تركية في قائمة “الأسوأ” فحسب، بل في إدراج أحد أشهى وأعرق أطباق مدينة “غازي عنتاب” —المدرجة على قائمة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الطهي— ضمن هذه القائمة السلبية، مما اعتبره الكثيرون “إهانة فنية” وتشكيكاً في ذائقة تاريخية تمتد لقرون.
عنتاب تدافع عن إرثها: ما هو الطبق المثير للجدل؟
موقع “TasteAtlas”، الذي يعتمد في تقييماته على مراجعات النقاد وتصويت الجمهور العالمي، أدرج أطباقاً يراها الأتراك “كنوزاً وطنية”. وفي غازي عنتاب، التي تُعرف عالمياً بأنها “مطبخ الشرق”، قوبل الخبر باستياء شديد من قبل الطهاة والمواطنين على حد سواء.
يرى المحللون أن تقييمات المواقع العالمية غالباً ما تسقط في فخ “الاختلاف الثقافي”؛ فبعض الأطباق التركية التي تعتمد على النكهات القوية، أو استخدام أحشاء الحيوانات، أو طرق الطهي البطيئة، قد لا تروق للذائقة الغربية التي اعتادت على نمط معين من الوجبات السريعة أو النكهات المحايدة. لكن بالنسبة لسكان الأناضول، فإن هذه الأطباق هي خلاصة تجارب حضارات مرت من هنا.
دفاعاً عن المذاق: ردود الفعل الرسمية والشعبية
لم يتوقف الأمر عند حدود منصات التواصل الاجتماعي، بل امتد ليصل إلى خبراء التغذية ومؤرخي الطعام في تركيا. وأكد العديد من “أساتذة المهنة” في غازي عنتاب أن المعايير التي استند إليها الموقع “مضللة”، لأنها تعتمد على تصويت أفراد قد لا يكونون قد تذوقوا الطبق في بيئته الأصلية أو بالطريقة الصحيحة التي يُحضر بها.
وعلق أحد كبار الطهاة في عنتاب قائلاً:
“إن وضع أطباقنا في قوائم ‘الأسوأ’ هو دليل على عدم فهم فلسفة المطبخ التركي. نحن لا نصنع طعاماً للأكل فقط، نحن نصنع تاريخاً يُقدم في أطباق. من يقيم ‘الكبة اللبنية’ أو ‘صاج تافا’ أو ‘بايتشان كباب’ كطعام سيء، عليه أن يراجع قدرته على تذوق الفن”.
إشكالية التقييم العالمي: خوارزمية أم ذوق شخصي؟
يثير موقع “TasteAtlas” الجدل دائماً بطريقة اختياره؛ فهو يعتمد على “خوارزمية” تجمع التقييمات وتستبعد التقييمات التي تشك في أنها نابعة من تعصب وطني. ومع ذلك، يرى النقاد الأتراك أن هذا النظام يظلم الأطباق “المكتسبة” (Acquired Taste) التي تحتاج إلى فهم لمكوناتها قبل الحكم عليها.
هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها تركيا في “حرب طعام” مع المواقع العالمية، لكن إقحام غازي عنتاب في القائمة زاد من حدة التوتر، نظراً لأن المدينة تعتبر “محمية طبيعية” للمذاق الأصيل، ويقصدها ملايين السياح سنوياً لهدف واحد فقط: تذوق الطعام الذي صنفه الموقع مؤخراً كـ “سيء”.
المطبخ التركي: القوة الناعمة التي لا تُقهر
رغم هذه القوائم، يظل المطبخ التركي واحداً من الثلاثة الكبار عالمياً بجانب المطبخين الفرنسي والصيني. ويرى مراقبون أن مثل هذه القوائم السلبية قد تعطي نتائج عكسية، حيث تثير فضول السياح لتجربة هذه الأطباق “المثيرة للجدل”، مما يعزز من حركة سياحة الطعام (Gastronomy Tourism).
الأتراك ردوا بطريقتهم الخاصة عبر إطلاق حملات ترويجية تحت وسم “أشهى أطباقنا”، قاموا من خلالها بنشر صور وفيديوهات لعمليات تحضير الأطباق التي وردت في القائمة، لإثبات أن ما يراه البعض “سيئاً” هو في الحقيقة قمة الإبداع البشري في التعامل مع المكونات الطبيعية.
خاتمة: المذاق لا يُحكم عليه بالورقة والقلم
في نهاية المطاف، يبقى الطعام تجربة شخصية وثقافية بامتياز. قد تدرج المواقع العالمية ما تشاء في قوائمها، لكن طوابير الانتظار أمام مطاعم غازي عنتاب التاريخية هي التقييم الحقيقي والوحيد الذي يعترف به الأتراك. إن “غضبة العنتابيين” هي رسالة للعالم بأن المطبخ ليس مجرد أرقام ونجوم، بل هو روح تسكن الأواني، ولا يمكن لموقع إلكتروني أن يطفئ نار الأفران التي تشتعل منذ مئات السنين لتقدم للعالم ما يراه أهل الأرض “أفضل طعام على الإطلاق”.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





