نداء زيلينسكي الأخير للشركاء

نداء زيلينسكي الأخير للشركاء.. هل تكسر الصواريخ الغربية قواعد اللعبة ضد الهجمات الروسية؟
مقدمة: الرهان على “وحدة المصير”
لم يعد الخطاب السياسي للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يكتفي بطلب الدعم التقليدي، بل انتقل إلى مرحلة “المكاشفة الاستراتيجية”. بتصريحه الأخير الذي أكد فيه الاعتماد الكلي على الشركاء للرد بقوة على الهجمات الروسية، يضع زيلينسكي الغرب أمام مرآة التزاماته الأخلاقية والعسكرية. إنها دعوة لتجاوز “مرحلة القلق” إلى “مرحلة الفعل”، في وقت تتصاعد فيه حدة الضربات الروسية لتستهدف عمق التوازن الطاقي والمعيشي في أوكرانيا.
1. فلسفة “الرد القوي”: ما الذي يريده زيلينسكي فعلياً؟
عندما يتحدث زيلينسكي عن “الرد بقوة”، فهو لا يشير إلى زيادة في عدد السترات الواقية أو الخوذ العسكرية، بل يقصد تحولاً جذرياً في نوعية السلاح وقواعد الاشتباك. الرد القوي في المنظور الأوكراني يتلخص في:
تدمير المنصات لا القذائف: ترى كييف أن اعتراض الصواريخ الروسية في سماء أوكرانيا هو استنزاف لمواردها، بينما الرد الحقيقي يكمن في ضرب المنصات والمطارات داخل العمق الروسي باستخدام أسلحة غربية (مثل صواريخ Storm Shadow وATACMS).
غطاء جوي شامل: المطالبة بتسريع تسليم مقاتلات F-16 وتدريب عدد أكبر من الطيارين لخلق منطقة حظر طيران “واقعية” تحمي المدن الكبرى.
خنق الماكينة العسكرية: فرض عقوبات ذكية تستهدف المكونات الإلكترونية التي تتسرب إلى المصانع الروسية لإنتاج المسيرات.
2. الهجمات الروسية: تكتيك “الضغط الأقصى”
تتبع موسكو حالياً استراتيجية تعتمد على إرهاق الدفاعات الجوية الأوكرانية عبر هجمات مركبة (مسيرات انتحارية تتبعها صواريخ باليستية). الهدف الروسي واضح: جعل تكلفة الدفاع أغلى من تكلفة الهجوم، ودفع المجتمع الأوكراني نحو اليأس من خلال ضرب مرافق الحيوية. هذا التكتيك هو ما دفع زيلينسكي للضغط على “الشركاء”، محذراً من أن التردد الدولي يُقرأ في موسكو كضوء أخضر لمزيد من التصعيد.
3. معضلة “الخطوط الحمراء” لدى الحلفاء
يعتمد زيلينسكي على شركائه، لكن هؤلاء الشركاء مقيدون بهاجس “التصعيد النووي” أو الصدام المباشر مع روسيا.
واشنطن: تحاول الموازنة بين منع هزيمة أوكرانيا وتجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة.
أوروبا: تعاني من انقسام داخلي بين دول “الجناح الشرقي” التي تطالب بالردع المطلق، ودول أخرى تخشى التبعات الاقتصادية طويلة الأمد.
زيلينسكي في مقالاته وخطاباته يحاول إقناع هؤلاء بأن “الخط الأحمر” الحقيقي هو انتصار روسيا، لأن ذلك سيعني نهاية النظام الدولي القائم على القواعد.
4. التحليل العسكري: هل يمتلك الشركاء القدرة على الرد؟
السؤال الجوهري هنا: هل يمتلك الغرب مخزوناً كافياً لتقديم “الرد القوي”؟ الواقع يشير إلى أن المصانع الدفاعية في أوروبا والولايات المتحدة بدأت بالفعل في زيادة وتيرة الإنتاج، لكن الفجوة الزمنية لا تزال تشكل خطراً. يعتمد زيلينسكي على “الإرادة السياسية” لتحويل الفائض العسكري لدى دول الناتو إلى الجبهات الأوكرانية فوراً، بدلاً من تخزينها لسيناريوهات مستقبلية قد لا تأتي إذا سقطت كييف.
5. التبعات الجيوسياسية للاستجابة الدولية
إذا استجاب الشركاء لنداء زيلينسكي وردوا بقوة (عبر السماح بضربات العمق وتوفير أنظمة دفاعية نوعية)، فإننا بصدد تحول في مسار الحرب:
تقليص النفوذ الجوي الروسي: مما يمنح القوات البرية الأوكرانية فرصة للقيام بعمليات مضادة.
حماية الاقتصاد الأوكراني: الصمود في وجه الهجمات يعني استمرار الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المساعدات المالية المباشرة.
رسالة ردع عالمية: إثبات أن القوة العسكرية لا يمكنها تغيير الحدود الدولية في القرن الحادي والعشرين.
خاتمة: لحظة الحقيقة
إن اعتماد زيلينسكي على شركائه للرد بقوة ليس مجرد استراتيجية عسكرية، بل هو اختبار لمدى جدية التحالف الدولي في حماية قيم الديمقراطية والسيادة. الهجمات الروسية المتواصلة تضع العالم أمام خيارين: إما الرد الحاسم الذي ينهي الحرب بشروط عادلة، أو الاستمرار في “إدارة الأزمة” التي قد تؤدي إلى انفجار إقليمي لا يمكن السيطرة عليه.
لقد وضع زيلينسكي الكرة في ملعب العواصم الكبرى، والأسابيع القادمة ستجيب على السؤال الأهم: هل سيتحول “الاعتماد على الشركاء” إلى نصر مشترك، أم سيبقى مجرد نداء في مهب الريح؟
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





