مفاوضات غزة: تكتيك إسرائيلي للمماطلة وتأجيل الحل السياسي

تتسم مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة بنهج إسرائيلي متكرر: إغراق المحادثات بالتفاصيل، ورفع سقف المطالب ثم خفضه لتقديمه كتنازل. هذا التكتيك، الذي يرتكز على رؤية إسرائيلية مسبقة لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية، يخدم أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يسعى نتنياهو إلى تأخير المفاوضات لإطالة أمد الحرب، ما يضمن بقاءه في السلطة، ويمنحه موقع قوة في محاكماته المحتملة، ويمهد له الطريق لانتخابات مبكرة باتت وشيكة بسبب أزمات داخلية إسرائيلية، وليس فقط بسبب الحرب. تظهر استطلاعات الرأي (مثل استطلاع 11 يوليو 2025) أن القضايا الداخلية أصبحت أكثر أهمية للجمهور الإسرائيلي من حرب غزة.
تفاصيل الاتفاق المقترح والخلافات الجوهرية
يشمل الاتفاق المطروح هدنة لمدة ستين يومًا، وإدخال حوالي 500 شاحنة مساعدات يوميًا، وهو أقل بكثير من حاجة غزة التي تقدرها الأمم المتحدة بعشرة أضعاف ما كان يدخل قبل الحرب. كما يتضمن الاتفاق الحفاظ على “منظمة غزة الإنسانية” (الموصوفة بالسيئة السمعة)، وتبادل أسرى يشمل 10 إسرائيليين أحياء و18 جثمانًا مقابل حوالي 1500 أسير فلسطيني. ثلث هؤلاء الفلسطينيين من أصحاب المؤبدات والأحكام الطويلة، وثلثاهم مدنيون من غزة اعتُقلوا بعد الحرب دون توجيه تهم، ما دفع إسرائيل لإطلاق مجموعات صغيرة منهم على دفعات.
تتركز النقاشات حول “مفاتيح” تبادل الأسرى، حيث من المرجح أن تكون المعادلة 1 مقابل 50، خاصة وأن الأسرى الإسرائيليين العشرين المتبقين هم جنود نظاميون أسروا في مواقعهم العسكرية يوم 7 أكتوبر. لكن الخلاف الجوهري يدور حول نقطتين رئيسيتين:
- إعادة انتشار القوات الإسرائيلية: كيفية انسحاب أو إعادة تموضع جيش الاحتلال داخل القطاع خلال الهدنة.
- ضمانات وقف إطلاق النار الدائم: التزام بإنهاء الحرب وعدم استئنافها بعد الهدنة، حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي.
تكتيك “رفع السقف” والمنطقة العازلة المتوسعة
تكرر إسرائيل تكتيك “رفع السقف” في المفاوضات، ثم “خفضه” ليظهر كتنازل. ظهر هذا بوضوح في قضية محور موراج (فيلادلفي 2)، الذي يقسم جنوب القطاع. الهدف الحقيقي من هذا التكتيك هو صرف الانتباه عن تكريس “فيلادلفي 1” كأمر واقع، رغم أنه كان جزءًا من اتفاق وقف النار في يناير الماضي.
طبق التكتيك ذاته على “فيلادلفي 1” نفسه، حيث طالبت إسرائيل في البداية بشريط أمني بعمق 3 كيلومترات يمتد حتى شارع البحر المركزي في رفح. ثم خفضت هذا المطلب إلى 1.5-2 كيلومتر، وقُدّم ذلك كتنازل. الهدف الحقيقي هو تكريس فكرة عدم العودة إلى خطوط يناير-مارس، حيث كانت المنطقة العازلة داخل القطاع أضيق (700-1000 متر).
تعتبر قضية المنطقة العازلة بالغة الأهمية. فبعد أن كانت تقتطع سدس مساحة القطاع تقريبًا في اتفاق يناير، الذي انهار في مارس، تضاعفت مساحتها لتشمل الآن ثلث القطاع. تمتد هذه المنطقة من بيت حانون وبيت لاهيا شمالًا إلى رفح وخانيونس جنوبًا، وقد دُمرت وحولت إلى أرض مكشوفة، لتلتهم “سلة غذاء” القطاع. هذا يعني أنه، وفقًا للتكتيك الإسرائيلي، لن تكون هناك عودة لخطوط يناير، بل سنرى “خطوط يناير بلاس” (ربما 20-25% من مساحة القطاع كمنطقة عازلة)، والتي ستصبح نقطة تفاوض جديدة إذا استؤنفت الحرب بعد الهدنة.
“اليوم التالي”: رؤى متضاربة وغياب الأفق السياسي
النقطة الخلافية الثانية والأكثر حساسية هي ضمانات نهاية الحرب الدائمة و”اليوم التالي” في غزة. كلمة “نهائي” هنا صادمة، وتعكس واقعًا مؤلمًا؛ فبعد أن كانت المفاوضات تتناول دولة فلسطينية، حدود، قدس، لاجئين، أصبحنا نتحدث عن اتفاق لوقف حرب.
يعتمد نتنياهو سياسة عدم الكشف عن تصوره لـ”اليوم التالي”، مبقيًا الباب مفتوحًا نظريًا أمام التهجير والاستيطان أو حتى إعادة احتلال القطاع. في المقابل، تفتقر حماس لتصور واضح، وترغب في العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر 2023. أما القيادة الفلسطينية الرسمية، فتعاني من أزمة مصداقية وشرعية تمنعها من تقديم تصور وطني موحد يشمل حكومة توافق، إنهاء الانقسام، توحيد المؤسسات، إعادة الإعمار، وانتخابات عامة، وهو ما يتطلب دعمًا عربيًا ودوليًا.
باختصار، المفاوضات الحالية ما هي إلا تكتيك إسرائيلي لإغراق التفاصيل. حتى لو تم التوصل إلى نهاية للحرب وانسحاب من القطاع المدمر، فلا يوجد أفق سياسي جاد لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. ما ينتظر غزة هو “اليوم السابق” لا “اليوم التالي” للحرب؛ استمرار للاحتلال والحصار والانقسام، وانشغال القطاع بعملية تعافٍ وإعمار قد تستغرق عقودًا، وفقًا لتحذيرات الأمم المتحدة.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





