“المبادأة بالضربة الأولى”.. كيف تُعيد إيران صياغة استراتيجيتها العسكرية من “الدفاع” إلى “الهجوم”؟

“المبادأة بالضربة الأولى”.. كيف تُعيد إيران صياغة استراتيجيتها العسكرية من “الدفاع” إلى “الهجوم”؟
مقدمة: تحول جذري في غرف العمليات
في خطوة وُصفت بأنها “إعادة ضبط” لموازين القوى الإقليمية، أعلن رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، عن انتقال بلاده رسمياً إلى “العقيدة العسكرية الهجومية”. هذا الإعلان ينهي عقوداً من سياسة “الدفاع السلبي” التي انتهجتها طهران منذ حرب الخليج الأولى، ليفتح الباب أمام حقبة جديدة تتبنى فيها إيران مبدأ “الهجوم الاستباقي” لحماية مصالحها القومية، مما يضع المنطقة بأسرها أمام واقع أمني شديد الحساسية.
أولاً: تشريح التحول.. ماذا يعني “الهجوم” في القاموس الإيراني؟
لا يعني التحول للعقيدة الهجومية بالضرورة بدء حرب شاملة، بل يعني تغيير “فلسفة الردع” لدى طهران عبر ثلاثة محاور:
الدفاع الوقائي (Pre-emptive Defense): تبني استراتيجية تدمير التهديد في أرض العدو بمجرد رصد مؤشرات الهجوم، بدلاً من انتظار تلقي الضربة الأولى.
انتقال ساحة المعركة: التأكيد على أن أي نزاع مستقبلي لن يكون داخل الحدود الإيرانية، بل سينتقل فوراً إلى عمق أراضي الطرف المعتدي.
تكامل الأذرع: دمج القدرات الصاروخية بعيدة المدى مع القوات الخاصة والمسيرات في منظومة “صدمة وترويع” هجومية منسقة.
ثانياً: الأسلحة التي تقود “العقيدة الجديدة”
أشار اللواء باقري إلى أن هذا التحول ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو مدعوم بترسانة تكنولوجية متطورة:
الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic): القادرة على اختراق المنظومات الدفاعية الأكثر تعقيداً في ثوانٍ.
الذكاء الاصطناعي في المسيرات: الانتقال من “التحكم عن بُعد” إلى “أسراب ذاتية التفكير” قادرة على تنفيذ عمليات هجومية انتحارية بكفاءة عالية.
القدرات السيبرانية الهجومية: شل البنى التحتية للخصم بالتزامن مع الضربات العسكرية التقليدية.
ثالثاً: الأبعاد السياسية للتصريح.. لماذا “باقري”؟
ظهور رئيس الأركان (أعلى سلطة عسكرية في إيران) للإعلان عن هذا التحول يحمل دلالات هامة:
رسالة للداخل: رفع الروح المعنوية والتأكيد على جهوزية القوات المسلحة لمواجهة الضغوط الخارجية.
رسالة لواشنطن وتل أبيب: الردع النفسي عبر إفهام الخصوم أن تكلفة أي “ضربة جراحية” للمنشآت الإيرانية ستكون حرباً هجومية شاملة لا يمكن التنبؤ بحدودها.
التفاوض من موقع قوة: استخدام “التهديد الهجومي” كأداة ضغط في أي مسارات دبلوماسية قادمة لانتزاع تنازلات أمنية.
رابعاً: ردود الفعل المتوقعة وقلق الجوار
يُنظر إلى هذا التحول في العقيدة الإيرانية بقلق بالغ في الأوساط الدولية:
تآكل الثقة الإقليمية: قد يؤدي هذا الإعلان إلى تقويض جهود التهدئة الدبلوماسية التي بدأت في العامين الماضيين.
عسكرة المنطقة: دفع الدول المجاورة لتسريع وتيرة شراء أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة والطائرات المقاتلة من الجيل الخامس.
خطر “سوء التقدير”: إن تبني عقيدة هجومية يزيد من احتمالية انزلاق أي احتكاك بسيط في مياه الخليج إلى مواجهة كبرى بسبب الرغبة في “المبادأة بالهجوم”.
خاتمة: حقبة “الاشتباك المباشر”
يمثل تصريح اللواء محمد باقري نقطة تحول تاريخية في التفكير العسكري الإيراني. فبينما كانت طهران تتفاخر بـ “الصبر الاستراتيجي”، باتت اليوم تتحدث عن “القدرة الهجومية”. هذا التغيير يجعل من أمن الشرق الأوسط رهناً بخيوط رفيعة، حيث أصبح الهجوم هو “الخيار الأول” للدفاع، مما يعيد تعريف الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





