اخر الاخبارأخبار العالمالشرق الاوسطسياسةعاجلمنوعات

 تعيين مدّعى عليها في جريمة المرفأ على رأس الجمارك.. هل انتهى زمن المحاسبة؟ غضب الأهالي يشعل الساحة

 تعيين مدّعى عليها في جريمة المرفأ على رأس الجمارك.. هل انتهى زمن المحاسبة؟ غضب الأهالي يشعل الساحة


مقدمة: حين تصبح “الشبهة” مؤهلاً للمناصب العليا

في مشهد سريالي لا يمكن أن يحدث إلا في دهاليز السياسة اللبنانية، استيقظ اللبنانيون على خبر نزل كالصاعقة فوق أنقاض العاصمة بيروت: تكليف موظفة مدّعى عليها رسمياً في ملف انفجار المرفأ لتولي مهام مدير عام الجمارك. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل اعتبره الكثيرون “رصاصة رحمة” أُطلقت على ما تبقى من هيبة القضاء اللبناني واستفزازاً صارخاً لأرواح أكثر من 220 ضحية سقطوا في رابع أكبر انفجار غير نووي في التاريخ.

بين نصوص القانون التي تفرض كف يد الملاحقين قضائياً، وبين ممارسات السلطة التي تُكافئهم بالمناصب، تبرز صرخة أهالي الضحايا كآخر خط دفاع عن الحقيقة. فما هي الأبعاد السياسية لهذا التعيين؟ وكيف يخطط الشارع لمواجهة هذا الالتفاف على العدالة؟


كواليس القرار: الهروب إلى الأمام بـ “ثوب الشرعية”

جاء تعيين المديرة الجديدة للجمارك (التي ورد اسمها ضمن قوائم الاتهام في ملف مخازن نيترات الأمونيوم) ليؤكد استمرار نهج “حماية المنظومة لرجالها”.

1. القفز فوق اتهامات القاضي البيطار

رغم أن المحقق العدلي طارق البيطار لم يتراجع عن اتهاماته لعدد من المسؤولين الأمنيين والإداريين في المرفأ، إلا أن السلطة التنفيذية اختارت تجاهل هذه المسار القضائي بالكامل. التعيين الحالي يُرسل رسالة مفادها أن “الادعاء القضائي” لا قيمة له أمام “الرضا السياسي”، مما يكرس مبدأ الإفلات من العقاب.

2. الجمارك.. المرفق الأكثر حساسية

يعتبر قطاع الجمارك هو “شريان الحياة” المالي للدولة، وهو أيضاً المرفق الذي انطلقت منه شرارة كارثة 4 آب. تعيين شخصية ملاحقة في هذا الملف تحديداً يثير تساؤلات حول “تضارب المصالح”؛ فكيف يمكن لشخص مدعى عليه أن يشرف على أدلة أو وثائق قد تدينه أو تدين رؤساءه في المستقبل؟


غضب الأهالي: “لسنا أرقاماً.. ودماؤنا ليست للمساومة”

لم يكد الخبر ينتشر حتى تحولت مجموعات التواصل الخاصة بـ أهالي ضحايا انفجار المرفأ إلى خلايا أزمة. الأهالي الذين قضوا سنوات في المطالبة برفع الحصانات، وجدوا أنفسهم أمام واقع أمرّ: بدلاً من رفع الحصانة، يتم منح “ترقية”.

رسائل الغضب الشعبي:

  • الاعتصام المفتوح: توعدت لجان الأهالي بالنزول إلى الشارع وإقفال المرافق الحيوية، معتبرين أن السكوت على هذا التعيين هو قبول بـ “قتل ثانٍ” لأبنائهم.

  • الطعن القانوني: بدأ فريق من المحامين المتطوعين في دراسة إمكانية الطعن في القرار أمام مجلس شورى الدولة، باعتباره مخالفاً لمبدأ “حسن سير المرفق العام” والقوانين التي تمنع تولي الملاحقين جنائياً لمناصب حساسة.


التحليل الاستراتيجي: صراع الإرادات بين القضاء والسياسة

يعكس هذا التعيين ذروة الصراع بين السلطة القضائية (الممثلة بالمحقق العدلي) والسلطة السياسية:

  1. تطبيع “الادعاء”: تحاول القوى السياسية إقناع الجمهور بأن الادعاء القضائي هو مجرد “استهداف سياسي” وبالتالي لا يجب أن يمنع الموظف من ممارسة مهامه أو الترقي.

  2. السيطرة على المرفأ: المرفأ هو أحد أهم موارد التمويل والخدمات السياسية؛ والسيطرة على منصب مدير الجمارك تعني السيطرة على حركة الدخول والخروج، وهو ما ترفض القوى الحاكمة التخلي عنه لأي شخصية “مستقلة” أو “غير موالية”.

  3. تفكيك ملف المرفأ: عبر إعادة الشخصيات المدعى عليها إلى الواجهة، يتم تمييع القضية تدريجياً حتى تصبح طي النسيان.


التداعيات على المستوى الدولي والحقوقي

لبنان اليوم تحت مجهر المنظمات الدولية (مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية)، وهذا التعيين يضع الدولة في موقف محرج:

  • تعثر المساعدات: تشترط الدول المانحة “الشفافية والمحاسبة” لتقديم المساعدات؛ ووجود مدعى عليهم في مناصب مالية ورقابية كبرى ينسف هذه الشروط.

  • لجنة تقصي الحقائق الدولية: تزداد الأصوات المطالبة بتدويل التحقيق، حيث يثبت هذا القرار يوماً بعد يوم أن “القضاء المحلي” مكبل بقرارات إدارية وسياسية تمنع الوصول إلى الحقيقة.


الجمارك اللبنانية: تاريخ من الأزمات وواقع مرير

تعد الجمارك من أكثر الإدارات التي تحتاج لإصلاح جذري. لكن تعيين مدير عام يحيط به “غبار الاتهامات” يجعل عملية الإصلاح مستحيلة:

  • التهريب والتهرب الضريبي: كيف يمكن لمدير “مهزوز قانونياً” أن يفرض سلطته على مافيا التهريب؟

  • الثقة مع المستثمرين: الشركات العالمية تنظر بريبة إلى أي تعيين لا يحترم المعايير الأخلاقية والقانونية، مما يطرد الاستثمارات المتبقية في البلاد.


الخاتمة: العدالة لا تموت بالتقادم أو بالتعيينات

إن قضية تعيين مدّعى عليها بانفجار المرفأ مديرة للجمارك هي “فضيحة بجلاجل” في تاريخ الإدارة اللبنانية. هي لحظة كاشفة تثبت أن الفجوة بين “الشعب” و”السلطة” لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت صداماً بين “الضمير” و”اللا مبالاة”.

سيبقى أهالي الضحايا هم البوصلة؛ فغضبهم اليوم ليس مجرد انفعال، بل هو فعل مقاومة ضد محاولات دفن الحقيقة تحت كراسي المناصب. ومهما بلغت قوة التعيينات الإدارية، ستبقى دماء ضحايا 4 آب صرخة تطارد كل من وقع على قرار يحمي متهماً أو يطمس دليلاً.

لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!

اترك رأيك

ملاحظة: الروابط غير مسموح بها وسيتم استبدالها بنجوم (***)

يمكنك رفع صورة لدعم رأيك (JPG, PNG, بحد أقصى 5 ميجابايت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى