“التهجير بالخرائط”: استراتيجية إسرائيلية لضغط مليوني فلسطيني في مساحة محدودة بغزة

كشف تحليل شامل أجرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى حشر ما يقارب 2.1 مليون فلسطيني في قطاع غزة في مساحات متناقصة بشكل مستمر. تعتمد هذه الاستراتيجية، المستندة إلى مئات أوامر الإخلاء والصور الفضائية، على دفع السكان نحو مناطق صغيرة جدًا، بحيث أصبحت أكثر من أربعة أخماس مساحة القطاع تحت سيطرة جيش الاحتلال أو مشمولة بأوامر الإخلاء.
تكتيكات الإخلاء القسري: رسائل مربكة وخرائط مضللة
توضح الصحيفة البريطانية أن أوامر الإخلاء الإسرائيلية تصل بطرق مفاجئة ومربكة؛ سواء عبر منشورات تُسقط من الجو، أو رسائل نصية جماعية، أو خرائط غامضة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي غالبًا ما تقود السكان إلى مناطق أكثر دمارًا ويأسًا. ورغم ادعاء جيش الاحتلال بأن هذه الأوامر تهدف لحماية المدنيين، إلا أنها في الواقع تُعد “نذير شؤم” لسكان غزة، وتترجم إلى نزوح متكرر ورحلات بائسة ومذلة لعائلات بأكملها، بما في ذلك الأطفال وكبار السن، إلى زوايا مدمرة أخرى في القطاع المحاصر.
حللت “فايننشال تايمز” مئات من هذه الأوامر، بما في ذلك حوالي 30 أمرًا صدر منذ أن خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار الأخير، لتكشف كيف أعاد جيش الاحتلال تشكيل غزة جغرافيًا بشكل جذري.
تقسيم القطاع وتوسيع المناطق العازلة
وسّع جيش الاحتلال الإسرائيلي المنطقة العازلة العسكرية المحيطة بالقطاع من 300 متر إلى كيلومتر كامل في مارس الماضي. ومنذ أبريل، أنشأ طريقًا جديدًا يُطلق عليه “ممر موراج” في جنوب غزة، تيمنًا بمستوطنة إسرائيلية سابقة.
نتيجة لهذه السياسات، لا تشكل المناطق التي يُفترض أنها “آمنة” سوى 20% من الحجم الأصلي لقطاع غزة، بينما تضررت أكثر من 60% من المناطق المبنية بشدة. تشير الصور الفضائية أيضًا إلى أن جيش الاحتلال يُجهز الأرض جنوب الممر لوجود عسكري طويل الأمد، حيث تظهر مناطق واسعة وكأنها أُعدت لنقاط عسكرية محمية بحواجز ترابية ومركبات متوقفة.
الهدف النهائي: تكثيف السكان وتهجيرهم
تكشف “فايننشال تايمز” أن حكومة بنيامين نتنياهو تهدف إلى تجميع جميع سكان القطاع في زاوية صغيرة جنوب غزة، مع جعل باقي القطاع محظورًا عليهم. هذه المنطقة المستهدفة هي أرض صحراوية قاحلة تفتقر إلى المياه الجارية والكهرباء والمستشفيات، وبلدة رفح الفلسطينية بها أصبحت معظمها أنقاضًا، والأرض الرملية المحيطة بها جرداء وخالية من الأشجار.
حذر مراقبون دوليون، وفقًا للصحيفة، من أن إجبار سكان غزة على التوجه جنوبًا بهذه الطريقة يرقى إلى مستوى التطهير العرقي. ويخشى الفلسطينيون أن يكون هذا التكتيك تمهيدًا لطردهم نهائيًا من غزة.
وأظهرت خريطة نشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي إقامة ثلاث نقاط لتوزيع المساعدات على طول الممر كجزء من خطة مثيرة للجدل، حيث يشرف مرتزقة أجانب وجنود إسرائيليون على توزيع الإمدادات.
كشف النوايا الحقيقية
كشف وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، عن النية الحقيقية وراء هذه السياسة في تصريحات نقلتها “فايننشال تايمز” خلال مؤتمر عُقد في مايو الماضي. فقد صرح سموتريتش: “خلال أشهر قليلة ستُدمر غزة، وسيتم تركيز الغزيين في الجنوب”.
وأضاف سموتريتش أن هذا الاكتظاظ البائس يعد خطوة ضرورية لتحقيق هدف طال انتظاره من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، وهو إجبار الفلسطينيين على ترك غزة نهائيًا. ويزعم سموتريتش، وفقًا للصحيفة البريطانية، أنه “بفهم أنه لا يوجد أمل، ولا شيء للبحث عنه في غزة”، سيختار الفلسطينيون المغادرة وترك أرضهم لإسرائيل، معلقًا: “سيكونون في حالة يأس تام”.
أزمة إنسانية كارثية متوقعة
تحذر الأمم المتحدة من أن تركيز نقاط التوزيع على طول الممر سيجبر العائلات الجائعة على التخلي عن أراضيها في الشمال والقيام برحلة محفوفة بالمخاطر جنوبًا، حيث ينتظرهم اكتظاظ خانق يمثل واحدًا من أكثر التجمعات البشرية كثافة في العالم.
وفقًا للمبادئ التوجيهية الطارئة للأمم المتحدة، يجب أن يحصل اللاجئون على 12 مترًا مربعًا على الأقل لكل شخص من مساحة المعيشة المغطاة، باستثناء مرافق الطهي. وتوضح “فايننشال تايمز” أنه حتى بأكثر الحسابات سخاءً، سيحصل كل مدني في قطاع غزة المنهك بالحرب على مساحة أقل من غرفة صغيرة للبقاء على قيد الحياة. وعند خصم الأراضي غير الصالحة للاستخدام، التي تشغلها الأنقاض والمستنقعات والطرق ومكبات القمامة، تكون المساحة المتبقية لكل فلسطيني أقل من ذلك بكثير، وقد تصل، في أسوأ التقديرات، إلى حجم أريكة غرفة المعيشة فقط.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





