لغز حديقة الهاربين: الأشعة المقطعية تكشف هوية صاحب الحقيبة الغامضة في بومبي بعد 2000 عام

بعد مرور نحو ألفي عام على الفاجعة التاريخية التي هزت الإمبراطورية الرومانية، نجح علماء الآثار في فك شفرة واحدة من أكثر القصص غموضاً في مدينة بومبي الأثرية؛ حيث كشفت الفحوصات التقنية الحديثة لأحد القوالب الجصية لضحايا ثوران بركان جبل “فيزوف” عام 79 ميلادية، أن صاحبه كان يحمل “عدة طبية كاملة”، مما يؤكد أنه كان طبيباً يمارس مهنته حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
الموت خنقاً في “حديقة الهاربين”
كان هذا الطبيب واحداً من بين 13 شخصاً حاولوا الاحتماء واللجوء إلى كرم عنب داخل مدينة بومبي المنكوبة، وهي البقعة التي عُرفت في العصر الحديث باسم “حديقة الهاربين”.
وبدلاً من العثور على ملاذ آمن، داهمت المجموعة موجة انفجارية بركانية حارقة محملة بالرماد والغازات السامة والمميتة (يرجح أنها ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت)، مما أدى إلى مقتلهم جميعاً خنقاً في ثوانٍ معدودة، لينضموا إلى آلاف الضحايا الذين قضوا في بومبي وبلدة “هركولانيوم” المجاورة.
تقنيات المستقبل تفك قفل “الحقيبة الجلدية”
رغم اكتشاف مدينة بومبي في القرن السادس عشر، إلا أن طفرة التنقيب العلمي بدأت في العصر الحديث؛ ففي عام 1961، قام علماء الآثار بصب الجص في الفراغات التي خلفتها الأجساد المتحللة تحت طبقات الرماد المتصلب، لينتجوا نحو 104 قوالب جصية توثق الهيئات الأخيرة للضحايا.
وداخل قالب جثة الطبيب، عثر العلماء آنذاك على صندوق صغير مصنوع من مواد عضوية (يُرجح أنه من الجلد)، لكن محتوياته ظلت لغزاً محيراً لعقود طويلة خوفاً من تلفه عند الفتح. والآن، وبفضل قفزة تكنولوجية استُخدمت فيها الأشعة السينية والأشعة المقطعية المتطورة، تمكن الباحثون من رؤية ما بداخل الصندوق بدقة متناهية دون إلحاق أي ضرر بالقالب الجصي.
وأظهرت الفحوصات أن الحقيبة والصندوق يحتويان على:
أدوات جراحية: مجموعة من الأدوات المعدنية الدقيقة المصممة للجراحة.
لوح من الأردواز: صخر صفائحي كان يستخدمه الأطباء آنذاك لطحن وتحضير المستحضرات الطبية والأدوية (التي كانت تعتمد على العسل، النبيذ، الخل، والمستخلصات النباتية).
قفل ميكانيكي: آلية إغلاق متطورة للصندوق تعتمد على ترس مسنن.
حقيبة قماشية: تحتوي على مجموعة من العملات البرونزية والفضية.
طبيب حتى الأنفاس الأخيرة
تضع هذه المكتشفات العلماء أمام فرضيتين؛ هل كان الطبيب يحمل أدواته لإنقاذ وإسعاف المصابين من الكارثة، أم كان يفر بأدوات كسب عيشه لتبديل حياته في مدينة أخرى؟
وفي هذا الصدد، يرى عالم الآثار غابرييل زوخترايغل، مدير الحديقة الأثرية في بومبي، أن الرجل كان يهدف للأمرين معاً، قائلاً:
“أحضر هذا الرجل أدواته معه ليكون مستعداً لبناء حياته في مكان آخر بفضل مهنته، ولكن ربما أيضاً لمساعدة الآخرين… قبل ألفي عام، كان هناك من لم يمارس الطب مقتصراً على ساعات الاستقبال، بل كان طبيباً في كل الأوقات، حتى في لحظة الفرار من الثوران، لكن السحابة البركانية أطاحت به وجمّدت لحظته الأخيرة”.
مكانة الطب في العهد الروماني
يؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على التطور الكبير والمنزلة الرفيعة التي حظي بها الطب في المجتمع الروماني في عهد الإمبراطور “تيتوس”. فبعد أن كانت المهنة مقتصرة في بداياتها على العبيد اليونانيين المتعلمين، ارتفعت مكانة الأطباء اجتماعياً وقانونياً، خاصة بعد القرار التاريخي لـ “يوليوس قيصر” عام 46 قبل الميلاد الذي منح بموجبه الجنسية الرومانية لجميع الأطباء.
يُذكر أن عمليات التنقيب المستمرة في بومبي كشفت عن ضحايا آخرين قضوا وهم متمسكون بمتعلقاتهم الشخصية؛ فمنهم من حمل مفاتيح منزله ومصابيح الزيت، ومنهم من مات وهو يطوق مجوهراته الثمينة وكنوزه من العملات، ليظل هذا الموقع التاريخي بمثابة “أرشيف حي” يروي تفاصيل الساعات الأخيرة للبشرية قبل ألفي عام.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





