في ذكرى ميلاده الـ135 كيف تربع طبيب الريف ميخائيل بولغاكوف على عرش الأدب العالمي؟

تُحيي الأوساط الثقافية والأدبية حول العالم الذكرى الـ135 لميلاد الروائي الروسي العبقري ميخائيل بولغاكوف؛ الأديب الذي أبى أن تموت روحه مع جسده، فظلت كلماته تتجدد وتتقد في أرواح القراء جيلاً بعد جيل، متجاوزةً حدود الزمن ومقص الرقيب السوفيتي.
وبمناسبة هذا اليوبيل، كشفت دراسة تحليلية شاملة أجرتها منصة “ليتريس” للكتب الرقمية عن تربع بولغاكوف على عرش الصدارة بوصفه أكثر أدباء القرن العشرين مبيعاً، متقدماً على قامات أدبية كبرى مثل أنطون تشيخوف، ومكسيم غوركي، وألكسندر كوبرين، وليونيد أندرييف.
وعلى صعيد التاريخ الكلاسيكي الروسي الممتد، حلّ بولغاكوف في المرتبة الثانية بعد العملاق فيودور دوستويفسكي، متفوقاً على فلاديمير نابوكوف، وليف تولستوي، وألكسندر بوشكين. أما عالمياً، فقد حجز مكانه بالمرتبة التاسعة ضمن قائمة أعظم عشرة أدباء كلاسيكيين صاغوا وجدان الأدب العالمي.
من معاطف الأطباء إلى فضاء الإبداع
وُلد ميخائيل أفاناسييفيتش بولغاكوف في 15 مايو 1891 بالعاصمة الأوكرانية كييف، ونشأ في كنف أسرة مثقفة؛ حيث كان والده أستاذاً في أكاديمية كييف اللاهوتية. وتخرج بولغاكوف في كلية الطب بجامعة كييف ليخوض مواجهة مباشرة مع الألم الإنساني خلال الحرب العالمية الأولى كطبيب عسكري ميداني.
وتنقل بولغاكوف بين المستشفيات العسكرية ومستشفى “نيكولسكايا” الريفي بمقاطعة سمولينسك، حيث استقبل في فترة وجيزة ما يزيد على 15 ألف مريض. هذه التجربة الإنسانية المُضنية كانت الوقود الإبداعي الذي نسج منه لاحقاً سلسلته الشهيرة “مذكرات طبيب شاب”. ومع مطلع العشرينيات، اتخذ بولغاكوف قراراً مصيرياً بخلع ثوب الطب والاستقرار في موسكو ليتفرغ للأدب والصحافة.
صراع مرير مع مقص الرقابة الأيديولوجية
بدأ بولغاكوف مسيرته الموسكوفية بروايته الملحمية “الحرس الأبيض” المستلهمة من وقائع الحرب الأهلية، والتي حوّلها إلى مسرحية ناجحة بعنوان “أيام توربين”. ورغم أن يوسف ستالين أبدى إعجابه بالمسرحية وأمر بإعادتها للمسرح بعد حظرها، إلا أن الرقابة السوفيتية ظلت تلاحق خطوات بولغاكوف وتصادر أعماله.
وفي عام 1925، كتب روايته الساخرة الشهيرة “قلب كلب”، والتي صودرت مخطوطاتها عقب تقرير رفعه أحد عملاء جهاز الأمن السوفيتي. ولم تُعد المخطوطة للأديب إلا بنهاية العشرينيات بفضل وساطة مكسيم غوركي. وظلت الرواية تُتداول سراً في دوائر “الساميزدات” (النشر السري) ولم تُنشر رسميّاً في وطنها إلا في عهد البيريسترويكا.
“المعلم ومارغريتا”.. وصية العبقري المكتوبة بدموع الرحيل
تُعد رواية “المعلم ومارغريتا” الدرة التاجية في مسيرة بولغاكوف الأدبية؛ العمل الذي أفنى في صياغته 12 عاماً من عمره، وظل حتى رمقه الأخير وهو على فراش الموت يملي تعديلاته على زوجته، إيلينا سيرغييفنا.
وفي 10 مارس 1940، غيّب الموت ميخائيل بولغاكوف عن عمر ناهز 48 عاماً بعد معاناة مريرة مع مرض الفشل الكلوي المزمن. والمفارقة الدرامية أن الأديب الطبيب كان يصف لنفسه جرعات المورفين لتخفيف أوجاعه، تحت إشراف البروفيسور فلاديمير فينوغرادوف (طبيب ستالين الخاص).
ورغم رحيله المبكر، صانت زوجته المخطوطة الثمينة بوفاء نادر لعقود، حتى أبصرت الرواية النور عارية من الرقابة عام 1966 عبر مجلة “موسكفا”، لتشق أعظم رواية في الأدب الروسي الحديث طريقها إلى العالمية وتمنح صانعها خلوداً أبدياً لا يطاله النسيان.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





