إسرائيل تصعّد حربها ضد “الأونروا” بالهدم الميداني.. وبن غفير: “لا مكان لأعداء الصهيونية في عاصمتنا”

إسرائيل تصعّد حربها ضد “الأونروا” بالهدم الميداني.. وبن غفير: “لا مكان لأعداء الصهيونية في عاصمتنا”
وصف المقال (Meta Description)
قراءة تحليلية في خلفيات هدم السلطات الإسرائيلية لمقرات وكالة “الأونروا” في القدس. استكشف دلالات احتفاء اليمين المتطرف بقيادة بن غفير، وكيف تسعى إسرائيل لتفكيك قضية اللاجئين عبر استهداف المؤسسات الدولية تحت مظلة القانون المحلي.
مقدمة: الجرافات كأداة للسياسة الخارجية
لم يعد الهدم في القدس يستهدف منازل المواطنين الفلسطينيين فحسب، بل امتدت أنيابه لتطال “الحصانة الأممية” في سابقة تنذر بقطيعة تامة بين إسرائيل والمجتمع الدولي. إن إقدام السلطات الإسرائيلية على هدم أجزاء من مكاتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مدينة القدس المحتلة يمثل ذروة المساعي اليمينية لتغيير الواقع القانوني والديموغرافي للمدينة.
هذه الخطوة، التي جاءت مصحوبة بتصريحات “نصر” من وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المخطط الأشمل الرامي لتصفية “حق العودة” وإنهاء الوجود الرمزي للأمم المتحدة في القدس، باعتبارها الوكالة الشاهدة على مأساة اللاجئين منذ نكبة عام 1948.
أولاً: الوقائع الميدانية.. هدم المقرات أم هدم المرجعية؟
جرت عملية الهدم الأخيرة تحت ذرائع إدارية وتنظيمية، لكن أبعادها تتجاوز مسألة “تراخيص البناء” لتصل إلى عمق الصراع السياسي:
الاستهداف الممنهج للمرافق: شمل الهدم مبانٍ إدارية ومراكز لوجستية تابعة للوكالة، مما يعطل بشكل مباشر سلسلة التوريد والخدمات الإنسانية التي تديرها الأونروا في الأحياء المقدسية والمخيمات المحيطة.
انتهاك الحصانة الدولية: الأونروا، كمنظمة دولية، تتمتع بموجب ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات دولية بحصانة لمقراتها. الهدم الإسرائيلي يضرب عرض الحائط بهذه المواثيق، محولاً الصراع من صراع “فلسطيني إسرائيلي” إلى مواجهة مباشرة مع المنظومة الأممية.
ثانياً: بن غفير وهدم “شاهد النكبة”
بأسلوبه المعتاد في توظيف الأحداث الميدانية لخدمة أجندته السياسية، سارع إيتامار بن غفير للتهليل لعملية الهدم، واصفاً إياها بالخطوة الضرورية لاستعادة “السيادة”.
أدلجة الصراع مع الأونروا: يسعى اليمين المتطرف لربط الوكالة بـ “الإرهاب” لتبرير طردها، وفي نظر بن غفير، فإن كل حجر يسقط من مكاتب الأونروا هو خطوة نحو “تهويد” القدس بالكامل وتطهيرها مما يصفه بـ “الكيانات المعادية”.
الضغط الشعبي اليميني: يعكس احتفاء بن غفير رغبة شريحة واسعة من المستوطنين في رؤية القدس خالية من أي علم أزرق (علم الأمم المتحدة)، وهو ما يعزز من قوة اليمين في الائتلاف الحكومي الحالي.
ثالثاً: لماذا تخشى إسرائيل بقاء “الأونروا” في القدس؟
العداء الإسرائيلي للوكالة ليس وليد اللحظة، بل هو استراتيجية ثابتة تهدف إلى:
نزع الشرعية عن اللاجئين: بإنهاء الأونروا، تأمل إسرائيل في تحويل اللاجئين إلى “سكان محليين” أو “مواطنين” في الدول المضيفة، وبالتالي إسقاط حقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية.
السيطرة على التعليم والهوية: تدير الأونروا مدارس تدرس منهاجاً يعزز الهوية الفلسطينية، وهو ما تراه إسرائيل عائقاً أمام عمليات “الأسرلة” الممنهجة في القدس الشرقية.
تفكيك “دولة الخدمات” الموازية: وجود الأونروا يثبت أن إسرائيل قوة احتلال وليست صاحبة سيادة شرعية تقدم الخدمات لمواطنيها؛ فبقاء الوكالة هو تذكير دائم بمسؤولية إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال.
رابعاً: ردود الفعل الأممية والدولية.. هل تكفي الإدانة؟
قوبل الهدم بموجة استنكار عالمية، ولكنها بقيت في إطار “القلق” و”التنديد”:
المفوض العام للأونروا: أكد أن الهجمات على الوكالة وموظفيها ومرافقها يجب أن تتوقف، محذراً من أن تقويض تفويض الأونروا في القدس سيكون له عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي.
الاتحاد الأوروبي: شدد على أن الأونروا جزء لا يتجزأ من تقديم المساعدات الحيوية، وأن استهداف مكاتبها في القدس يمثل انتهاكاً خطيراً للأعراف الدولية.
المنظمات الحقوقية: اعتبرت “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات أخرى أن ما تفعله إسرائيل هو “اضطهاد مؤسسي” يهدف إلى حرمان اللاجئين من حقوقهم الأساسية التي كفلها القانون الدولي.
خامساً: التداعيات الكارثية على الأمن الإنساني في القدس
تجاوزت آثار الهدم جدران المكاتب لتصل إلى حياة الناس اليومية:
شلل في الخدمات التعليمية والصحية: هدم المكاتب الإدارية يعني تعطل إدارة المدارس والعيادات التي تخدم آلاف العائلات في مخيم شعفاط وسلوان والبلدة القديمة.
التهجير الصامت: غياب الوكالة يعني غياب الحماية القانونية والإنسانية، مما يسهل على السلطات الإسرائيلية تمرير مشاريع التوسع الاستيطاني على حساب أراضي اللاجئين.
تصاعد الغضب الشعبي: يرى المقدسيون في استهداف الأونروا استهدافاً مباشراً لوجودهم التاريخي، مما يزيد من حالة الاحتقان وقد يؤدي إلى انفجار الأوضاع ميدانياً.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية.. هل اقترب الحظر الشامل؟
تشير التحركات في الكنيست الإسرائيلي إلى نية حقيقية لـ “حظر” أنشطة الأونروا بالكامل واعتبارها منظمة غير قانونية.
سيناريو الإخلاء القسري: قد تلجأ إسرائيل لاستخدام “أوامر قضائية” لإخلاء كافة مقرات الوكالة في القدس، بما في ذلك المقر الرئيسي في “الشيخ جراح”.
التدويل والمواجهة القانونية: قد تتجه الأمم المتحدة إلى محكمة العدل الدولية لطلب استشارة قانونية حول انتهاك إسرائيل لاتفاقيات الحصانة، وهو ما قد يزيد من عزلة إسرائيل الدولية.
سابعاً: الخلاصة.. القدس والرهان على ضمير العالم
في الختام، يمثل هدم مكاتب الأونروا في القدس المحتلة وتصريحات بن غفير الاستفزازية اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي. إنها ليست مجرد قضية مبانٍ أسمنتية، بل هي قضية حقوق تاريخية لشعب لا يزال يعيش لجوءه منذ عقود.
إذا استمر الصمت الدولي تجاه هذه الانتهاكات، فإن إسرائيل ستنجح في “تصفية” وكالة الأونروا ميدانياً قبل أن تُصفى قانونياً، مما يعني ضياع حقوق ملايين اللاجئين وتغيير وجه القدس للأبد. إن حماية الأونروا في القدس اليوم هي حماية لما تبقى من هيبة القانون الدولي في مواجهة سياسة “فرض الأمر الواقع” بالقوة.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





