لماذا أعاد البرهان تشكيل مجلس التنسيق الاستراتيجي مع السعودية؟ أبعاد “الشراكة الذكية” وتأثيرها على توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي لعام 2026

لماذا أعاد البرهان تشكيل مجلس التنسيق الاستراتيجي مع السعودية؟ أبعاد “الشراكة الذكية” وتأثيرها على توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي لعام 2026
مقدمة: الخرطوم والرياض.. صياغة “عقد استراتيجي” جديد
في خطوة وُصفت بأنها “إعادة تموضع” حاسمة للدولة السودانية في محيطها الإقليمي، أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مرسوماً بإعادة هيكلة وتشكيل المجلس الأعلى للتنسيق الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية. هذا القرار يتجاوز كونه إجراءً إدارياً، ليكون بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة من “التكامل العضوي” بين ضفتي البحر الأحمر.
يأتي هذا القرار في توقيت يشهد فيه السودان تحديات وجودية تتطلب حلفاء بمواصفات “ثقيلة” اقتصادياً وسياسياً، بينما تسعى المملكة العربية السعودية ضمن رؤيتها المستحدثة لعام 2026 لتأمين جبهتها الغربية وضمان استقرار السودان كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي. فما هي الأجندة الخفية لهذا المجلس؟ وكيف سيتحول السودان من “ساحة للأزمات” إلى “شريك في الاستقرار” بموجب هذه الهندسة الجديدة؟
أولاً: الدوافع الاستراتيجية خلف قرار البرهان
لم يكن تحرك البرهان وليد الصدفة، بل جاء استجابة لثلاثة محركات رئيسية:
1. البحث عن “مرساة” للاستقرار
في ظل السيولة السياسية التي شهدتها المنطقة، يرى البرهان في الرياض “مرساة” استقرار قادرة على تقديم دعم سياسي دولي للسودان، والمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين برعاية سعودية ضامنة.
2. الاقتصاد كمدخل للسيادة
تدرك القيادة السودانية أن السيادة الوطنية ترتبط بالاستقلال الاقتصادي. إعادة تشكيل المجلس تهدف إلى فتح “قنوات سريعة” للاستثمارات السعودية الكبرى، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية، مما يوفر شريان حياة للاقتصاد السوداني عبر مشاريع تنموية ضخمة.
3. تأمين الجبهة المائية
مع تزايد حدة التنافس الدولي في البحر الأحمر، يمثل التنسيق مع السعودية ضرورة أمنية لمنع تحويل السواحل السودانية إلى ساحة للصراعات الدولية، وهو ما ينسجم مع رؤية “أمن البحر الأحمر” التي تقودها الرياض.
ثانياً: الهيكلة الجديدة للمجلس.. القوة والفعالية
إعادة التشكيل تضمنت ضخ دماء جديدة ووجوه ذات ثقل فني وسياسي، مما يشير إلى أن المهام القادمة ستكون تنفيذية وليست استشارية فقط:
اللجان الفنية المتخصصة: إنشاء لجان فرعية تعنى بقطاعات دقيقة مثل (التعدين، الربط الكهربائي، والتعاون المصرفي).
المتابعة المباشرة: ربط نتائج اجتماعات المجلس بمكاتب القيادة في البلدين لضمان تنفيذ الاتفاقيات بجدول زمني صارم.
تفعيل القطاع الخاص: إعطاء دور أكبر لرجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين تحت مظلة المجلس الاستراتيجية.
ثالثاً: السودان في الرؤية السعودية 2026
بالنسبة للرياض، يمثل السودان “عمقاً استراتيجياً” حيوياً، وتأتي إعادة تشكيل المجلس لتخدم عدة أهداف سعودية:
الأمن الغذائي المستدام: في ظل الأزمات العالمية، تنظر السعودية للسودان كشريك أساسي لتأمين احتياجاتها الغذائية من خلال استثمارات زراعية وحيوانية ضخمة ومستدامة.
استقرار القرن الإفريقي: ترى السعودية أن استقرار السودان هو مفتاح استقرار المنطقة بأكملها، مما يمنع تمدد النفوذ المعادي أو تحول المنطقة لبؤرة توتر تهدد الملاحة الدولية.
رابعاً: الملفات الساخنة على طاولة التنسيق
من المتوقع أن يبدأ المجلس بمناقشة ملفات ذات طابع استعجالي:
مشروع الربط الكهربائي والمائي: دراسة سبل ربط شبكات الكهرباء بين البلدين عبر البحر الأحمر.
المناطق الحرة المشتركة: إنشاء مناطق اقتصادية خاصة على الساحل السوداني تُدار بتمويل سعودي وخبرات مشتركة.
مكافحة التهريب العابر للحدود: تعزيز التعاون الأمني لضبط الحدود البحرية والبرية، وهو ملف يهم الأمن القومي السعودي بشكل مباشر.
خامساً: التحديات.. كيف سينجو المجلس من “فخاخ” الماضي؟
تاريخ العلاقات السودانية السعودية شهد فترات من الفتور بسبب التقلبات السياسية في الخرطوم. ولضمان نجاح النسخة الجديدة من المجلس، يجب مواجهة:
تقلبات المزاج السياسي: ضرورة مأسسة العلاقة بحيث لا تتأثر بتغير الأشخاص في السلطة.
الضغوط الدولية: التعامل بحذر مع التجاذبات الدولية (شرقاً وغرباً) التي قد تحاول عرقلة هذا التقارب.
البيئة الاستثمارية: حاجة السودان الملحّة لإصلاح القوانين لضمان حماية الاستثمارات السعودية الضخمة من أي تقلبات إدارية.
سادساً: السيناريوهات المتوقعة لعام 2026
بناءً على هذا القرار السيادي، يمكن رسم السيناريوهات التالية:
سيناريو “الازدهار السريع”: تدفق استثمارات سعودية بمليارات الدولارات في قطاعات الزراعة والذهب، مما يؤدي لاستقرار سريع في سعر الصرف السوداني.
سيناريو “التحالف العسكري المتين”: توقيع اتفاقية دفاع مشترك أو تسهيلات عسكرية تضمن حماية الملاحة في البحر الأحمر بجهود ذاتية عربية.
سيناريو “التكامل الدبلوماسي”: تحول السودان والرياض إلى كتلة تصويتية واحدة في المنظمات الدولية تجاه قضايا المنطقة.
الخلاصة: السودان والرياض.. نحو “اتحاد مصالح” لا ينكسر
إن قرار الفريق أول عبد الفتاح البرهان بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتنسيق الاستراتيجي مع السعودية هو اعتراف صريح بأن مستقبل السودان مرتبط عضوياً بعمقه العربي والسعودي تحديداً. نحن لا نتحدث هنا عن مساعدات أو منح، بل عن “اتحاد مصالح” يبني مستقبلاً مشتركاً.
في عام 2026، يبدو أن الخرطوم قررت خلع ثوب القلق والتردد، والالتحاق بركب “الرؤية السعودية الطموحة” لتكون شريكاً فاعلاً في صناعة القرار الإقليمي. هذا المجلس سيكون هو “المحرك النفاث” الذي سينقل العلاقات السودانية السعودية إلى آفاق لم تشهدها من قبل، محولاً البحر الأحمر إلى جسر للرخاء وليس جداراً للعزلة.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!





