“دقائق في العالم الآخر”: شهادة آسرة لسيدة عادت من الموت السريري

لطالما أثارت روايات “العائدين من الموت السريري” فضول العلماء والعامة على حد سواء، بتشابه أحاسيسهم التي تتراوح بين مشاهدة أجسادهم من الأعلى والتوجه نحو ضوء في آخر نفق. في الوقت الذي لا يستطيع فيه العلم تفسير هذه الظواهر نظرًا لتوقف الدماغ عن العمل بعد فترة قصيرة من السكتة القلبية، يخرج البعض من هذه التجربة بتفاصيل مذهلة تتحدى التفسيرات المنطقية.
يُعرف الموت السريري بأنه فترة انتقالية قصيرة، غالبًا ما لا تتجاوز الخمس أو الست دقائق، يتوقف خلالها القلب عن النبض والرئتان عن التنفس. ومع ذلك، يتحدث العديد من العائدين عن مشاعر فرح لا توصف ومشاهد تفوق الخيال المألوف.
من بين هذه الروايات، تبرز شهادة “آنا” بتفاصيلها الدقيقة ووضوحها اللافت، على الرغم من غرابة التجربة واستثنائيتها.
تجربة آنا: رحلة إلى ما بعد الحياة
تروي آنا تجربتها التي حدثت أثناء حملها في 8 يناير 1989: “حوالي الساعة 22:00، بدأت أنزف بغزارة. لم يكن هناك ألم، فقط ضعف شديد وقشعريرة. أدركت أنني كنت أحتضر.” في غرفة العمليات، بدأت الأجهزة تسجل مؤشراتها، وبينما كانت آنا تشعر بالاختناق، سمعت طبيب التخدير يقول: “أفقد الاتصال بالمريضة، لا أستطيع أن أشعر بنبضها، أحتاج إلى إنقاذ الطفل.” تقول آنا: “بدأت أصوات من حولي تتلاشى، ويلف الضباب وجوههم، ثم سقطت في الظلام.”
تتابع آنا سردها المذهل: “وجدت نفسي مرة أخرى في غرفة العمليات، لكنني أشعر الآن بخفة وبأنني في حالة جيدة. تدافع الأطباء حول جثة ملقاة على الطاولة. اقتربت منها. كنت أنا مستلقية هناك. صدمني انقسامي إلى اثنين. كان يمكنني حتى أن أطفو في الهواء. سبحت إلى النافذة. كان الظلام مهيمنًا في الخارج، سيطرت عليّ حالة من الذعر، وشعرت بحاجة ماسة للفت انتباه الأطباء.”
حاولت آنا أن تصرخ بأنها تعافت بالفعل وأنه لا يوجد شيء آخر يجب القيام به معها، لكنهم لم يروها أو يسمعوها. “لقد تعبت من التوتر وارتفعت إلى أعلى، وعلقت في الهواء.”
بعد ذلك، “ظهر شعاع أبيض ساطع تحت السقف. وصل إليّ دون أن يعمي بصري أو يحرقني. أدركت أن الشعاع كان يدعوني إليه، ويعدني بالتحرر من العزلة. وبدون تفكير توجهت نحوه. تحركت على طول الشعاع، كما لو كنت في قمة جبل غير مرئي، وشعرت بالأمان التام. عندما وصلت إلى القمة، رأيت بلدًا رائعًا، وتناغمًا بين الألوان المشرقة والشفافة تقريبًا في نفس الوقت تتلألأ حولي. من المستحيل وصفه بالكلمات. حدقت حولي، وكلّ ما حولي ملأني بإعجاب كبير حتى أني صرختُ: ‘يا إلهي، يا له من جمال! عليّ أن أكتب كلّ هذا’. تغلبت عليّ رغبة ملحة في العودة إلى واقعي السابق وتصوير كل ما رأيته هنا في لوحات فنية.”
بين عالمين: الصراع من أجل العودة
تتواصل الرواية مسجلة تفاصيل هذه الرحلة العجيبة التي لم تتجاوز مدتها الست دقائق:
“فيما كنت أفكر في هذا الأمر، وجدت نفسي في غرفة العمليات مرة أخرى. لكن هذه المرة نظرت إليها كأنني أنظر من الخارج، كأنني أمام شاشة سينما، ويبدو الفيلم باللونين الأبيض والأسود. لقد كان التباين مع المناظر الطبيعية الملونة في هذا البلد الرائع مذهلاً، وقررت الانتقال إلى هناك مرة أخرى. لم ينته شعور السحر والإعجاب، ومن وقت لآخر كان السؤال يخطر ببالي: ‘هل أنا على قيد الحياة أم لا؟’، وكنت خائفة أيضًا من أنني إذا مضيت بعيدًا في هذا العالم المجهول، فلن تكون هناك عودة. وفي الوقت نفسه، لم أكن أرغب في مفارقة مثل هذه المعجزة.”
“كنت اقترب من سحابة ضخمة من الضباب الوردي، وأردت أن أكون بداخلها. ولكن الروح أوقفني محذرة: ‘لا تطيري إلى هناك، هذا خطير!’. فجأة شعرت بالقلق، شعرت بنوع من التهديد وقررت العودة إلى جسدي. ووجدت نفسي في نفق مظلم طويل. طرت منفردة، ولم تعد الروح المشرقة إلى جانبي.”
“فتحت عيني. رأيت الأطباء وغرفة بها أسرة. كنت مستلقية على إحداها. كان هناك أربعة أشخاص يرتدون أردية بيضاء يقفون بجانبي. رفعتُ رأسي وسألت: ‘أين أنا؟ وأين ذلك البلد الرائع؟'”
نظر الأطباء إلى بعضهم، ابتسم أحدهم ومسّد رأسها. شعرت آنا بالخجل من سؤالها، لاعتقادها أنهم قد يظنون أن عقلها ليس على ما يرام.
العلم والتجربة الروحية: هل يتفقان؟
تختتم عالمة النفس والمتخصصة في الذاكرة العميقة، آلا كينياكا، بأن “مثل هذه الأوصاف هي مجرد فرضية، لا يمكننا تأكيد أو دحض هذه الكلمات، لكن قصص العائدين تتطابق مع ما هو مكتوب في الأطروحات القديمة… سيشير العلماء مرة أخرى إلى الهرمونات وبالطبع سيكونون على حق. لكن هذا لا يتعارض مع التجربة الروحية بأي شكل من الأشكال.”
هكذا عاشت آنا تجربة الموت السريري والتواجد خارج جسدها. وهي الآن تدرك أن من مروا بشيء مشابه ليسوا مرضى عقليين، بل أشخاص عاديون عادوا “من هناك” وقد عايشوا مشاعر وتجارب تتجاوز المفاهيم المقبولة. وتؤكد أنها اكتسبت خلال تلك الرحلة المزيد من المعرفة والفهم أكثر مما اكتسبته في حياتها السابقة بأكملها.
لا توجد آراء بعد. كن أول من يُبدي رأيه!




